الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين مركزية الدولة السورية ولا مركزيتها: صراع على حساب الفقراء
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 10 / 7
مواضيع وابحاث سياسية
إنّ الإصرار المتناقض بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في تبنّي نموذج اللامركزية والفيدرالية بوصفها ضرورة لبناء دولة ديمقراطية عادلة، وبين ما يُعرف بـ الحكومة السورية المؤقتة المتمسكة بنموذج المركزية القديمة المستمدة من نهج النظام البعثي البائد، ينذر باحتمال اندلاع مواجهة عسكرية قد تبدأ بمناوشات محدودة، لكنها قد تنتهي بكارثة مفتوحة العواقب، يكون ثمنها دماء الفقراء وأرواح الأبرياء.
وحينها، سيعود القادة أنفسهم إلى طاولات المفاوضات وكأن شيئاً لم يكن، بعد أن يُقدَّم الشعب السوري من جديد قرباناً لصراعاتهم العبثية.
المعضلة الجوهرية تكمن في أنّ كلا الطرفين لا يمتلك قراراً سيادياً مستقلاً نابعاً من الإرادة الوطنية السورية، إذ إنّ كلّاً منهما مرتهنٌ لأجندات إقليمية ودولية متشابكة، تُحرّكهما وفق مصالحها الخاصة. وهكذا، يتحوّل أيّ صدام محتمل بين الطرفين إلى انعكاسٍ لصراعات الخارج أكثر مما هو تعبير عن إرادة الداخل أو عن حاجة السوريين الفعلية إلى الاستقرار والأمن.
لقد أنهكت الحروب والنزاعات الشعب السوري لأكثر من أربعة عشر عاماً، ولم يعُد يبحث عن نصرٍ عسكريٍّ بقدر ما يتوق إلى سلامٍ وعدالةٍ وكرامةٍ إنسانية.
اليوم، وبحسب ما تنقله وسائل الإعلام، تتصاعد الحشود العسكرية في دير حافر، حيث يقف الطرفان وجهاً لوجه على خطوط التماس، فيما تُفرض من جهةٍ أخرى حالة حصار على حيّي "الشيخ مقصود والأشرفية" الكرديّين في حلب من قبل قوات الأمن العام التابعة للحكومة المؤقتة، استعداداً لما يُسمّى بـ “ساعة الصفر”. غير أنّ الرابح الأكبر من هذه المواجهة لن يكون لا "دمشق" ولا "القامشلي"، بل أنقرة وحدها، التي تتقن سياسة تأجيج الفتن الداخلية بين القوى السورية لتغطية أزماتها المتفاقمة وإسكات المعارضة التركية، عبر تصدير أزماتها والانشغال بحروب خارجية.
ولنا في ذلك شواهد كثيرة: من عملية "درع الفرات" إلى "غصن الزيتون" ثم "نبع السلام"، وصولاً إلى التدخلات المستمرة في الساحل السوري والسويداء، وكلّها تهدف إلى توسيع النفوذ التركي تحت ذرائع واهية.
ولا يمكن تصديق الخطاب الدعائي التركي حول “نصرة غزة” أو الدفاع عن "فلسطين”، فهو لا يتجاوز دموع التماسيح التي تُستخدم في سياقٍ براغماتيٍّ لخداع القواعد الشعبية، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، عبر خطابٍ عاطفيٍّ فارغٍ من أي مضمونٍ عمليٍّ حقيقي.
وفي المقابل، لم نسمع من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تصريحاً واحداً يُدين فيه الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب سوريا، على الرغم من أنّ أنقرة تزعم دوماً أنها “الوصيّ على الشعب السوري”. والأسوأ من ذلك أنّ مناطق واسعة في الجنوب السوري خرجت كليّاً أو جزئياً من سيطرة الحكومة المؤقتة، وسط أنباءٍ عن شروطٍ إسرائيليةٍ تُفرض على أبو محمد الجولاني مقابل توقيع اتفاق تسوية يمنحه اعترافاً غير مباشر بسلطته في تلك المناطق.
والمفارقة الصارخة أنّنا لم نشهد مواجهة سورية حقيقية مع إسرائيل منذ عقود، في حين يواصل بعض مستشاري النظام في دمشق – ومنهم أحمد موفق زيدان – التأكيد على أنّ أولوية الحكومة السورية اليوم هي “النهوض بالاقتصاد” ومواجهة قوات سوريا الديمقراطية، لا مواجهة إسرائيل. وكأنّ شمال شرق الفرات (روج آفا) هو العدو الحقيقي، لا إسرائيل التي ما زالت تحتل هضبة الجولان السوري منذ عام 1967.
فالنظام السوري – الأب والابن – لم يتنازل يوماً عن الجولان لفظياً، لكنه في الوقت ذاته لم يطلق رصاصة واحدة لاستعادته فعلياً.
إنّ المشهد السوري الراهن يُظهر بوضوح أنّ القرار الوطني لم يعُد بيد السوريين، بل أصبح رهينةً للإرادات الإقليمية، وعلى رأسها تركيا، فيما يبقى الفقراء وحدهم من يدفعون الثمن. وهكذا تتحوّل القضية الوطنية السورية إلى ورقة مساومةٍ في أيدي القوى الدولية والإقليمية، تُستخدم وفق مصالحها وأجنداتها.
ولو عدنا إلى بدايات الثورة عام 2011، لوجدنا أنّ الثورة التي انطلقت بشعارات الحرية والكرامة، تحوّلت خلال أشهرٍ قليلة إلى ثروةٍ وثرثرةٍ، وإلى منصّاتٍ للتطرّف والإرهاب يديرها “أمراء” متشددون ومصاصو دماء، يتقاتلون فيما بينهم على السلطة والهوية والانتماء. بهذه العقلية المتخشبة، انزلقت سوريا إلى مستنقع دمويٍّ لا أفق للخلاص منه.
ولن يكون هناك أمل بالإنقاذ ما لم تولد ثورة مضادّة حقيقية تُعيد الاعتبار إلى قيم الثورة الأولى: الحرية، والكرامة، والعدالة، والمواطنة، بعيداً عن الارتهان للخارج أو التبعية للقوى الإقليمية.
وسأبقى ما حييت صوت كل مظلوم في روج آفا وفي عموم سوريا:
صوت السنيّ الذي تُسرق أحلامه ويُجبر على ما لا يريد،
وصوت الدرزيّ الذي يُقتل فقط لانتمائه،
وصوت العلويّ الذي يُذبح لأنه من طائفة الرئيس السابق،
وصوت المسيحيّ الذي صودرت حقوقه وأُخمدت صرخاته،
وصوت الكرديّ الذي تتآمر عليه تركيا وإيران وسوريا والعراق، في محاولةٍ لإنهاء وجوده وطمس هويته القومية، ومنعه من إقامة أي كيانٍ حرٍّ يُعبّر عن إرادته، تلك الإرادة التي سُلبت منه منذ اتفاقية سايكس – بيكو المشؤومة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. حماس تعلن استعدادها لتسليم سلاحها لسلطة فلسطينية -إذا انتهى
.. المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار: العقبات الحقيقية و
.. إضاءة شجرة الميلاد في ساحة كنيسة المهد بيت لحم للمرة الأولى
.. الشرع يحذر من سعي إسرائيل لإقامة منطقة منزوعة السلاح جنوب سو
.. تظاهرة ضد السلطة في تونس تحت شعار -المعارضة ليست جريمة-