الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
من كتالونيا الى السويداء،،
حسن مدبولى
2025 / 10 / 9القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
عقب أعلان مدريد اعترافها الرسمي بدولة فلسطين في مايو 2024، وماتلاه من اجراءات عقابية شديدة ضد اسرائيل شملت منعا لتصدير السلاح وغيره،وكذلك ايقاف استيراد السلع منها،وادانة اعمال الابادة التى يرتكبها الجيش الصهيونى فى غزة، ارتجّت الساحة السياسية بين مؤيدٍ يرى في الموقف الإسباني انتصارًا للعدالة، وغاضبٍ في تل أبيب يعتبر تلك المواقف الاسبانية خيانةً غير مسبوقة. وسرعان ما ظهرت في الإعلام الإسرائيلي أصواتٌ تدعو إلى “الردّ بالمثل” عبر دعم النزعات الانفصالية في إقليمي كتالونيا والباسك.
لكن الردّ من اسبانيا كان درسًا في النضج السياسي: فلم تُرفع أعلام إسرائيل فى كتالونيا أو الباسك، ولم تُستثمر اللحظة في المزايدة أو الاستقواء بالخارج، بل صدر عن الإقليمين موقفٌ موحّد يؤكد أن تقرير المصير شأنٌ وطني داخلي لا يُقايَض في سوق السياسة الدولية.
ذلك الموقف الهادئ العاقل يعكس ثقة الأوروبيين في مؤسساتهم وشرعية خياراتهم، ويضع أمامنا مرآة معاكسة حادّة، حيث لا تزال بعض الأقليات العربية تبحث عن خلاصٍها في الخارج بدل أن تصنعه من الداخل بالوعي وتنمية القدرة على التفاوض،
ففي سوريا، مثلاً، شهدت الطائفة الدرزية تحوّلًا لافتًا،بعد الاطاحة بنظام بشار الأسد، فقد برزت أصوات تدعو صراحة إلى إنشاء إقليم مستقل في السويداء والمطالبة بحماية دولية، بل وذهبت بعض المجموعات إلى توجيه الشكر لإسرائيل على “اهتمامها” بالدروز، ورفعت العلم الصهيونى في ساحات المدينةفي سابقة غير معهودة في التاريخ السياسي للطائفة.
ورغم رفض رموز درزية أخرى لهذه الدعوات وتمسكهم بوحدة سوريا، فإن المشهد يكشف انقسامًا داخليًا عميقًا ويعبّر عن فقدان الثقة بين الدولة ومكوّناتها، حيث يتحوّل الخوف من التهميش إلى نزعة انفصالية تتغذّى من الإحباط واليأس الموهوم ،
كذلك اختار الأكراد فى العراق وسورية طريقًا مغايرًا. فمنذ 2003 وبالتزامن مع الغزو الأميركى لبغداد ، انتهز الأكراد الفرصة وسارعوا باقامة إقليمًا يشبه الدولة فى العراق ، وهو اقليم يتمتّع باستقلال فعلى وعلاقات اقتصادية وأمنية مع قوى إقليمية ودولية، من بينها إسرائيل. وقد اقيم هذا المسار على مشروع انعزالى يستغل ضعف المركز ويتماهى مع سلطة الاحتلال ،
وعلى هدي أكراد العراق، تحالف أكراد سورية مع الصهاينة والامريكان،واقاموا كيانا مشبوها فى شرق سورية يعملون من خلاله خدما للامريكان ووكلاء لهم ،
بينما في مصر، يقدّم الأقباط نموذجًا مختلفًا تمامًا: أقلية تاريخية ذات جذور عميقة في المجتمع، لكنها سياسيًا تبنّت نهج الحذر والاستقرار. فبعد ثورة يناير، انحازت الكنيسة إلى جانب النظام السياسى خشية صعود الإسلاميين وانهيار الأمن، ومنذ ذلك الوقت رَسَّخت علاقتها بالسلطة باعتبارها ضمانة للحماية، ولو كان الثمن عزلة سياسية وتراجعًا في المشاركة العامة.
لكن في المهجر برزت أصواتٌ قبطية تدعو إلى علاقات علنية وودّية مع إسرائيل، وتعتبرها أقرب “حضاريًا” من المسلمين العرب، دون أن تُدان تلك المواقف كنسيًا أو مدنيًا. ورغم أنّ هذه الأصوات لا تمثّل الأقباط جميعًا، فإنها تعبّر عن ميلٍ متزايد لدى بعض النخب إلى البحث عن “مظلّة خارجية” تعوّض هشاشة المشاركة الوطنية — وصمت الداخل عنها أقرب إلى القبول الضمني منها إلى الرفض.
إذن في المشهد الإسباني، وعت الأقليات أن شرعيتها تُبنى من الداخل لا من الخارج. أمّا في المشرق، فما تزال الأقليات تتأرجح بين خوفين: خوفٍ من السلطة وخوفٍ من الأغلبية، وكلاهما يدفعها إلى خيارات مكلفة أخلاقيًا ووطنياً.
.
إنّ الفارق بين كل من دروز السويداء وأكراد قسد والبرزانى، وبين كل من انفصاليي الباسك وكتالونيا، ليس في اللغة ولا في الدين، بل في الإحساس بالسيادة.
فالكتالوني والباسكى يرى نفسه جزءًا من دولةٍ يمكنه أن يختلف معها دون أن يخاف منها، أما الأقلوي الشرقي فيرى في كل اختلاف مهما كان ضئيلا تهديدًا لوجوده ذاته.
ومن هنا، فما لم تنجح دولنا في بناء عقدٍ اجتماعي جديد يستدعى الحسم وفى الوقت ذاته يساوي بين الجميع في الحقوق والواجبات، فسيبقى الخارج هو “الملاذ الموهوم” لكل من يشعر -ولو بالخطأ- أنه مواطن ناقص الحماية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. العراق.. مواطن يقدم ابنته هدية لفض إشكال عشائري
.. عام على سقوط النظام السابق في سوريا… ماذا تغيّر؟ | #الظهيرة
.. محمد صلاح يخرج عن صمته ويعلق على تعادل ليفربول مع ليدز يوناي
.. أبرز محطات المشهد السوري خلال عام على سقوط نظام الأسد
.. مفاتيح دمشق | كيف تفاعلت عواصم العالم مع سقوط نظام الأسد في