الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
السيطرة والقيادة بين الأرادة والقيم
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2025 / 10 / 10
قضايا ثقافية
منذ فجر التاريخ والإنسان يعيش صراعًا داخليًا بين حاجته إلى القيادة ورغبته في التحرر، بين ميله الفطري إلى السيطرة على محيطه وخوفه من أن يُستَعبد من سلطةٍ أقوى، وهذا الصراع لم يكن يومًا سياسيًا فحسب بل هو في جوهره فلسفي وإنساني، لأن السيطرة والقيادة تمثلان في النهاية صورة من صور الإرادة الإنسانية في أرقى تجلياتها أو أسوأ انحرافاتها. فالقيادة كما تراها الفلسفة ليست مجرد سلطة أو نفوذ بل قدرة عقلية وأخلاقية على توجيه الآخرين نحو هدف مشترك، بينما التسلط هو انحراف في استخدام هذه القدرة، إذ يتحول القائد من رمزٍ للإلهام إلى أداةٍ للقهر، ومن ناصحٍ للحكمة إلى مستبدٍ بالعقول والأنفس. وقد أدرك فلاسفة الشرق القدماء هذه المفارقة حين جعل كونفوشيوس القيادة مرآةً للأخلاق لا للبطش، فلا يحق لمن لم يضبط نفسه أن يضبط الآخرين، فيما دعا لاوتسه إلى حكمٍ يقوم على اللين لا على القهر لأن التحكم الصارم يفسد الانسجام الكوني. أما أفلاطون فقد رأى أن الحكم ينبغي أن يكون بيد الفيلسوف العارف بالخير، لأن القوة بلا حكمة فساد، والحكمة بلا سلطة ضعف، بينما أرسطو ميّز بين قيادةٍ طبيعية تنبع من المصلحة العامة وتسلطٍ جائرٍ يخدم رغبة الفرد. ومع مرور القرون تحولت الفكرة إلى ساحة جدل بين الواقعية والأخلاق، فمكيافيللي برّر التسلط بوصفه مهارة سياسية ضرورية لبقاء الدولة، في حين جعل هوبز من السلطة القوية ضمانةً ضد الفوضى، أما نيتشه فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر السيطرة تعبيرًا عن إرادة الحياة نفسها، فالإنسان الأعلى هو من يفرض قيمه على العالم دون خوفٍ أو خضوع، في مقابل فوكو الذي كشف الوجه الخفي للسلطة باعتبارها شبكةً تتغلغل في كل البنى الاجتماعية والمعرفية حتى دون أن يشعر بها الإنسان، فهي لا تَضرب بل تُقنع، ولا تُكره بل تُوجّه. ومن هنا تبرز المعضلة الكبرى: هل القيادة فعل أخلاقي أم ممارسة قوة؟ هل الإنسان يولد قائدًا بطبعه أم يتعلم القيادة بالخبرة؟ علم النفس يقدّم وجهة نظر مختلفة، ففرويد يرى أن حب السيطرة قد يكون تعويضًا عن نقصٍ داخلي، بينما يراه أدلر سعيًا مشروعًا نحو التفوق إن لم يتحول إلى تسلطٍ مَرَضي، أما علم الاجتماع فيكشف من خلال ماكس فيبر أن السلطة تتخذ أشكالًا متعددة: تقليدية، وكاريزمية، وقانونية، ولكلٍ منها شرعيته وحدوده. غير أن الرؤية الإسلامية تُعيد التوازن لهذا الجدل حين تضع القيادة في مقام الأمانة لا الغنيمة، وتؤكد أن القائد الحق هو من يقود بالعدل والرحمة، استلهامًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، ولقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"، فالقائد لا يُكرِه الناس على الطاعة بل يزرع فيهم الإيمان والثقة. وهكذا يتضح أن القيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأتباع بل بقدرة القائد على إيقاظ الإرادة الحرة فيهم، فالتسلط يقتل الإبداع بينما القيادة تلهمه، والتاريخ لا يخلّد من قهر الناس بل من حررهم، لأن من يقود بالعقل يزرع الحضارة، ومن يحكم بالخوف يحصد الرماد، ففلسفة القيادة في جوهرها هي فن تحريك إرادة الإنسان نحو الخير لا التحكم في مصيره.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. القيادة المركزية الأمريكية تعلن انتهاء جولة ثامن أيام الضربا
.. باحث في السياسات الأمنية للجزيرة: أمريكا تستعد لغزو بري فعلي
.. العلاقات الأفغانية الباكستانية عالقة في دائرة لا تنتهي.. فلم
.. عضو كونغرس سابق: استهداف قاعدة الأردن مبرر لتصعيد أمريكي يحر
.. نشرة إخبارية | بعد مقتل جنودها.. أميركا تفتح النار على الحرس