الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


في حضن دجلة… حكايات لا تنتهي

نبيل محمد سمارة
(Nabil Samara)

2025 / 10 / 11
الادب والفن


حين تسير في بغداد، تشعر أن كل خطوة تضعها على أرصفتها هي حكاية منسية ترويها الحجارة بصوت خافت، وكأنها تخشى أن يوقظها صخب الحاضر من حلمها القديم.
لا مدينة تشبه بغداد، فهي ليست مجرد عاصمة تعاقبت عليها العصور، بل روح تمتد من الماضي إلى الحاضر، كخيط من نور .

في بغداد، يتقاطع التاريخ مع التفاصيل اليومية، فتجد نفسك تمشي في شارع الرشيد وكأنك تسير في ذاكرةٍ مفتوحة على ألف عام. شارع الرشيد، الذي لا يزال رغم تعب السنين يحتفظ برائحة القهوة القديمة المنبعثة من المقاهي، وبصوت المذياع العتيق الذي يصدح بأغاني ناظم الغزالي، وبظل الأرصفة التي شهدت أولى خطوات المثقفين والسياسيين والشعراء.

ذلك الشارع الذي عرف صخب المظاهرات وهدوء العشاق، وبات مرآةً لكل ما مر على العراق من أفراح وانكسارات.

وحين تواصل المسير نحو شارع المتنبي، هناك، حيث الكتب تملأ الأرصفة وتفيض بالحياة، تشعر أن بغداد ما زالت تقرأ نفسها رغم كل ما مر بها. تقف قرب تمثال المتنبي، تتأمل ملامحه التي جمدها البرونز لكنها ما زالت تنطق بالكبرياء ذاته:
"أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صممُ"
تغدو تلك الساحة عالما آخر، تتقاطع فيها أصوات الباعة مع رائحة الورق القديم، وصدى الشعراء الذين يتلون قصائدهم وكأنهم يستعيدون روح بغداد التي لا تموت.

كل زاوية من هذا المكان تروي قصة: عن كتاب نجا من النسيان، عن مثقف يبيع مؤلفاته ليشتري خبزه، عن طالب وجد بين الكتب معنى الحياة.

ومن هناك، حين تتجه بعينيك نحو نهر دجلة، ترى النوارس تحوم بخفة فوق الماء، تلتقط فتافيت الخبز التي يرميها الناس بفرح طفولي. لحظة عابرة لكنها تختصر معنى الحياة في بغداد: بساطة، ودفء، وشيء لا يُقال بالكلمات.

الماء يمضي بهدوء، كما لو أنه سمع كل شيء من قبل؛ همس العشاق، صرخات التاريخ، ضحكات الأطفال، وأناشيد الجنود، وأغاني النساء على ضفافه.

دجلة في بغداد ليس مجرد نهر، بل شريان الذاكرة، وصوت الأبد الذي لا يتوقف.
ولبغداد فروع كثيرة، كأنها شجرة وارفة الجذور، تمتد من الكرخ إلى الرصافة، ومن الأعظمية إلى الكاظمية، ومن الباب الشرقي حتى البتاوين والكرادة. في كل فرع من فروعها عبق مختلف، ولهجة خاصة، ونكهة حياةٍ لا تتكرر.

في أزقة الفضل والشيخ عمر، تشم رائحة التاريخ القديم الممزوجة بعطر الخبز الطازج، وفي الكاظمية ترى الإيمان يمشي على الأرض بخطوات الناس المتعبين الذين يجدون في الدعاء راحة تشبه السلام.

أما الكرادة، فهي الوجه الآخر لبغداد، حديثة ومفعمة بالحياة، لكنها تحتفظ في عمقها بروح المدينة القديمة التي لا تنسى ماضيها مهما تزيّنت بالحاضر.

بغداد مدينة تعلمك الصبر والجمال معا. قد تتعبك، لكنها لا تتركك، لأنك ما إن تحاول مغادرتها حتى تشعر أن جزءًا منك بقي هناك، عالقًا بين جسر الشهداء ومقهى الشابندر، بين ضوء الغروب فوق دجلة وصوت المؤذن في الأفق.
هي المدينة التي يُكتب عنها الكثير، لكن لا أحد يستطيع أن يصفها حقا، لأن بغداد لا تروى بالكلمات… بل تعاش بالقلب.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -مادلين-.. أول فيلم وثائقي بالذكاء الاصطناعي عن قصة التجربة


.. مسك الكلام | الممثل عمر ميقاتي | 2026-02-08




.. المخرج في شبكة الجزيرة الإعلامية أحمد ماهر: أردنا للمشاهد أن


.. طقوس الفنان عبدالمنعم مدبولي في شهر رمضان مختلفة.. ورفض ابنت




.. كلمة أخيرة - لقاء خاص مع أمل ابنة الفنان عبدالمنعم مدبولي وا