الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
سجال القيادة وسيف السجن: أي فجر ينتظر كُردستان؟
بوتان زيباري
2025 / 10 / 12القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
على مسرح السياسة التركية، تتشابك القيادة الكردية بخيوط القدر والسجن، في حِكايةٍ أزليّةٍ عنوانها النضال، ومحورها أوجلان ودميرتاش، قطبان يُفترض أن يكمّلا الدائرة، لكنهما يواجهان رياح الفرقة وألاعيب السلطة. ففي الوقت الذي كان فيه صلاح الدين دميرتاش ومعه فيجن يوكسكداغ يرقبان الأفق على أمل الحرية، بعد انقضاء مهلة الاعتراض على قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، جاءت خطوة وزارة العدل بطلب إعادة النظر لتؤكد مرارة الواقع؛ فالحرية، في قاموس أنقرة، ليست نِتاج حكم قضائي، بل قرار سياسي يُشبه ما حدث مع عثمان كافالا. هذا التلاعب بالقانون يشير إلى استمرار استخدام القضاء أداةً لتقييد الإرادة الشعبية، وإبقاء رموزها خلف القضبان، فالمطالبة بالإفراج الفوري عنهم هي أساسٌ لدستور البلاد وحكم القانون، وهو ما أكدته هيئة "آمرالي" لحزب الشعوب الديمقراطي (DEM)، نافيةً أية أقاويل مُغرضة تُحمّلهم أو تُحمّل عبد الله أوجلان مسؤولية استمرار هذا القيد الظالم.
إنّ مشروع "تركيا بلا إرهاب"، الذي رفع رايته حزب الحركة القومية وزعيمه دولت بهتشلي بدعوته الصريحة للتحاور مع أوجلان، يكشف عن محاولات خفية لترتيب الأوراق في دهاليز العاصمة، لكن هذا المسعى، رغم صخبه الإعلامي، يفتقر إلى الشرعية الشعبية ويسير في نفق مظلم؛ فالشكوك تحوم حوله، إذ يُنظر إليه باعتباره مَخرجاً سياسياً يضمن للرئيس الحالي ولاية جديدة، ما دام المنافسون الأقوياء، أمثال أكرم إمام أوغلو الذي أثبت جدارته بالصناديق، ودميرتاش صاحب الكاريزما الجماهيرية، خارج المشهد السياسي النشط. ولعلّ الخوف الأكبر يكمن في التأثير العابر للأيديولوجيا الذي يتمتع به دميرتاش، فعبارته الشهيرة "لن نجعلك رئيساً" ما زالت تدوي، ونجاحه في استقطاب شريحة واسعة من اليسار التركي والاجتماعي، خاصةً بين الشباب الكردي والتركي على حدٍ سواء، يجعله رقماً صعباً لا يمكن للسلطة أن تغض الطرف عنه، خوفاً من التآزر الشعبي والسياسي الذي قد يخلقه مع أمثال إمام أوغلو.
هنا يكمن لُبّ الصراع الداخلي للقيادة الكردية، فالمشهد يُشير إلى ازدواجية قيادية، حيث يُفضّل الحكم التركي التواصل مع أوجلان المُعزول، الذي تُحيط بقيادته حالة من الجدل السياسي في نظر البعض، ربما لأنه يرى فيه الأداة الأقرب للتحكّم بمسار إنهاء الصراع المسلح، خاصةً مع استمرار الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) على الجانب الآخر من الحدود. بل إن الهمسات تدور في الأروقة عن تخوّف أوجلان نفسه من العواقب غير المحسوبة لدخول دميرتاش حلبة السياسة حاليًا، خشية أن يُعرقل ذلك مسار المفاوضات القائم، وهي فرضية سارعت حركة DEM إلى نفيها القاطع والمدوّي، مؤكدةً على ضرورة إطلاق سراح جميع الأسرى السياسيين، بمن فيهم دميرتاش ويوكسكداغ، التزامًا بالحقوق والعدالة.
إنَّ الخلاف المزعوم بين إمرالي وقنديل وإديرنة، وما تلاه من سجالات، ليس وليد اللحظة؛ فقد تجسّد سابقاً في دعوة أوجلان للتصويت الحيادي في انتخابات إسطنبول المعادة عام 2019، التي عارضها دميرتاش بتأييده لمرشح المعارضة، مما أظهر الشقاق في القرار الكردي، وأكد على مركزية الصراع حول مَن يملك زمام القيادة في الحركة، هل هي الحركة المسلحة أم الذراع السياسي الشرعي؟ والسؤال الأعمق الذي يواجه الحركة الكردية اليوم هو سؤال "الزعامة المركزية" في مرحلة التحوّل نحو العمل القانوني ونهاية السلاح. فبينما يرى البعض أن أوجلان لا غنى عنه لإصدار قرار وداع السلاح، خاصة فيما يتعلق بملف سوريا وقسد، يظل دميرتاش، رغم أسره، هو الصوت الأكثر قبولاً لدى القاعدة الشعبية والشارع التركي الواسع، مما يجعل الاعتماد الكلي على أوجلان في التسويق للسلام غير مستساغٍ ولا مقبول جماهيرياً، في حين لا يمتلك دميرتاش القدرة على إصدار أمر بوقف إطلاق النار من زنزانته. إنها معضلة القيادتين؛ فكلتاهما في حاجةٍ للأخرى لإنجاح أي حل سياسي عادل، لكن حسابات السلطة ما زالت ترجّح كفّة المحبوس الأقدم على حساب المحبوس الأحدث، ليظل مفتاح حرية دميرتاش، وسلامة العملية السياسية، رهيناً بإرادة الحاكم بدلاً من نص القانون.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. DEBAT • فرانس 24 / FRANCE 24
.. تريتا بارسي: غموض يحيط بالبرنامج النووي الإيراني.. وإسرائيل
.. غزة بين الفيتو الإسرائيلي والحلول المفروضة باسم السلام.. هل
.. موازين | حماس.. تحديات الواقع وخيارات المستقبل
.. نافذة من سوريا تسلط الضوء على التوغل الإسرائيلي في القنيطرة