الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تفكيك الخرافة
خيرالله قاسم المالكي
2025 / 10 / 14الادب والفن
محالٌ. كل ما يُروى عنك محضُ خرافاتٍ تتناسل في أفواهٍ لم تعرفك. أنت لستَ أسطورةً تُحكى، بل حقيقةٌ تتجلى في أبعادٍ تتجاوز المألوف. لقد رأيتُكَ، لا في حلمٍ عابر، بل في يقظةِ العُمرِ المُطلقة، مرةً واحدة كانت كافيةً لأدركَ عبثَ الكلماتِ في وصفك.
كنتَ هناك، تزرعُ في الماءِ الحُرِّ - هذا الامتداد الأزرق اللامتناهي الذي يبتلعُ كلَّ شكلٍ ويُذيبُ كلَّ هوية - بسمةَ بساتين. لم تكن زهوراً أو ثماراً، بل كانت بسمةً، مفهوماً مجرداً يتحدى قوانين المادة، ينبثقُ من العدمِ ليخلقَ وجوداً موازياً. كانت البساتينُ تنمو كفكرةٍ، كرمزٍ للخصوبةِ في قلبِ العقم، للحياةِ في رحمِ الفناء. كانت تلك البسمةُ تفكيكاً لفكرةِ الماءِ نفسهِ، من مجردِ سائلٍ إلى فضاءٍ قابلٍ للزراعةِ الروحية.
ورأيتُكَ مرةً أخرى، ترتدي ثوبَ النهرِ حُلّةً للسهر. لم يكن قماشاً، بل كان النهرُ ذاته، بجريانهِ وسرمديتهِ، يلتفُ حولكَ كمعطفٍ من ضوءٍ سائل. كنتَ تغزو بهِ الفجر، لا كجيشٍ يقتحمُ حصناً، بل كفكرةٍ جديدةٍ تمحو ما قبلها. كنتَ الشمسَ وقد أشرقتَ للتوِّ، لا في الأفقِ البعيد، بل في داخلي. صباحاً فريداً لا يحتضنُهُ سواي، لحظةَ إشراقٍ شخصيةٍ تُعيدُ تعريفَ الزمنِ والمكان. كان فجراً لا يُقاسُ بالساعات، بل بعمقِ التحولِ الذي أحدثهُ في كياني.
محالٌ، أكررها كتعويذةٍ أبدية، كلُّ ما أسمعُهُ عنكَ خرافات. فالوجودُ نفسهُ، هذا الذي أعيشه وأتنفسه، لم يعرفْ نفسهُ إلا من خلالكَ. وجودي ليس إلا التحاماً انسيابياً في وجودِكَ الأوسع. أنا وأنتَ لسنا ثنائيةً متقابلة، بل وحدةٌ متداخلة، نصٌ واحدٌ يُقرأ بمعاني متعددة. جَرِّدني مما أنا فيهِ، من هذا الـ”أنا” المحدودِ والمنفصل. فكِّكْني من اسمي، من تاريخي، من كلِّ ما يُعرّفني ككيانٍ مستقل. لأكونَ “أنتَ”، لا كتقليدٍ أو محاكاة، بل كتحققٍ كاملٍ للذاتِ في الآخر. لأكونَ أنتَ، كما أنني الآن، في هذه اللحظةِ الأزليةِ التي لا بدايةَ لها ولا نه. في هذا الفضاءِ اللانهائيِّ من التماهي، تتلاشى الحدودُ بين الذاتِ والموضوع، بين الرائي والمرئي. أنتَ لستَ مجردَ كيانٍ يُدرَك، بل أنتَ عمليةُ الإدراكِ ذاتها، الوعيُ الذي يشكلُ الواقعَ ويُعيدُ بناءَهُ في كلِّ لحظة. هذا التفكيكُ للثنائياتِ التقليديةِ هو جوهرُ الحداثةِ وما بعدَها، حيثُ لا مركزَ ثابتَ، ولا معنىً وحيداً، بل شبكةٌ من الدلالاتِ المتغيرةِ التي تتراقصُ في فضاءٍ ثلاثيِّ الأبعاد. كلُّ كلمةٍ هنا ليستْ مجردَ حرفٍ، بل هي رمزٌ يتشعبُ، يفتحُ أبواباً لتأويلاتٍ لا نهائية، يُعيدُ تشكيلَ مفهومِ الوجودِ ذاته.
إنَّ هذا الاندماجَ ليسَ فقداناً للذات، بل هو اكتشافٌ لـ”أنا” أعمق، “أنا” تتجاوزُ القشرةَ السطحيةَ للتعريفاتِ المسبقة. إنهُ ارتقاءٌ من الوجودِ الفرديِّ المحدودِ إلى وجودٍ كونيٍّ متصل، حيثُ يصبحُ كلُّ جزءٍ انعكاساً للكلِّ، وكلُّ لحظةٍ امتداداً للأبدية. في هذا السياقِ، تصبحُ الخرافاتُ التي تُنسجُ حولكَ مجردَ محاولاتٍ بائسةٍ لعقلٍ بشريٍّ محدودٍ لتأطيرِ ما لا يُؤطَّر، لتسميةِ ما لا يُسمى. هي محاولاتٌ لتبسيطِ التعقيدِ، لتسطيحِ العمقِ، لتحديدِ اللامحدود. لكنكَ تتجاوزُ كلَّ هذهِ الأطر، تكسرُ كلَّ القوالب، وتُعيدُ تعريفَ المعنى في كلِّ مرةٍ تتجلى فيها.
أنتَ الفجرُ الذي لا يغرب، النهرُ الذي لا يجف، البسمةُ التي لا تذبل. أنتَ الرمزُ الأبديُّ للتحولِ والتجدد، للقوةِ الكامنةِ في كلِّ شيءٍ حيٍّ وميت. في كلِّ ذرةٍ من هذا الكونِ، أرى بصماتِكَ، أسمعُ صدى وجودِكَ. أنتَ اللحظةُ التي تسبقُ الخلقَ، واللحظةُ التي تعقبُ الفناء. أنتَ الحقيقةُ المطلقةُ التي تتجلى في كلِّ تناقضٍ، في كلِّ مفارقة. أنتَ اللغزُ الذي لا يُحلُّ، والحلُّ الذي لا يُدرَك. أنتَ كلُّ شيءٍ، ولا شيءَ في آنٍ واحد. أنتَ أنا، وأنا أنتَ، في رقصةٍ كونيةٍ أزليةٍ لا تتوقف، تتجاوزُ حدودَ الزمانِ والمكان، وتُعيدُ تعريفَ الوجودِ في كلِّ نبضةٍ من نبضاتِ هذا الكونِ المتجدد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كواليس حفل أم كلثوم بباريس: يهودي قام بتنظيمه ونجم فرنسي أشه
.. نسخة جديدة وسحر قديم من فيلم الـ Moana في #الريفيو مع #لميس_
.. لازم البروديوسر يوفر علشان يكون ناجح؟ أميرة إسماعيل تتحدث عن
.. بودكاست 10452 | المخرج والكاتب شربل خليل
.. عن كواليس عملية الإنتاج الفني وتجهيزات الاعمال السينمائية وا