الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


-المغرب الكبير-: القوّة التي تخشى الامبريالية والرجعية بروزها

مرتضى العبيدي

2025 / 10 / 16
مواضيع وابحاث سياسية


شيء من التاريخ
من المقولات الشهيرة لزعيم ثورة الريف عبد الكريم الخطابي وهو يقارع قوتين امبرياليتين، اسبانيا وفرنسا: "لو كان هناك، في الجزائر وتونس، وفي نفس الوقت الذي اندلعت فيه ثورة الريف، مقاومة مماثلة، لكانت كُتب التاريخ بشكل مختلف".
أما العمال المهاجرين الى فرنسا من المستعمرات الثلاثة فقد اختاروا بحسّهم الطبقي وهم في بداية وعيهم بأهمية التنظّم، الانخراط في منظمة واحدة ألا وهي "نجمة شمال إفريقيا" لمصالي الحاج، الذي كان بدوره يرى -في بداياته على الأقل-أن تحرير جميع شعوب المغرب الكبير هدف مشترك، فرفعت منظمته مطلبي استقلال البلدان الثلاثة ووحدتها.
وكذلك حذا حذوهم طلبة بلدان المغرب الكبير عندما أسسوا سنة 1927 "جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بفرنسا" والتي لعبت أدوارا ريادية من العاصمة باريس، فتصدّت لعديد المشاريع الفرنسية الاستعمارية، ودافعت منذ تأسيسها عن منظوريها في فرنسا في كل ما يتعلق بظروفهم المادية والدراسية والمعيشية.
ثمّ جسّد عبد الكريم الخطابي الفكرة، عندما فرّ من منفاه ولجأ الى القاهرة فجمع الوطنيين الجزائريين والمغاربة والتونسيين في أول مؤتمر للمغرب العربي في عام 1947، مؤكدا أنه كان لا يزال يدافع عن فكرة مغرب موحد ومستقل.
وعند اغتيال الزعيم النقابي التونسي فرحات حشاد اندلعت بالمغرب الأقصى مظاهرات وإضرابات واجهها المستعمر بالحديد والنار، وتعلل بها للإطاحة بالسلطان بن يوسف ونفيه الى مدغشقر.
من المستفيد من التجزئة؟
وبُعيد إمضاء المغرب وتونس معاهدات ما يسمّى بالاستقلال، وحتى قبل أن تتحرّر الجزائر، دعت الأحزاب المغاربية الى مؤتمر بمدينة طنجة في شهر إبريل 1958 لبحث السبل الكفيلة بتكريس ذلك الحلم وتحويله الى حقيقة قائمة، إلا أنه لم يبق من ذلك الحدث العظيم إلا ذكرى يحييها كل سنة من بقوا متشبثين بالحلم. ذلك أن الاستعمار الفرنسي، قبيل تسليم السلطة الى وكلائه في هذه البلدان كان يخشى من اتحاد حركات التحرر فيها، وبعد اندلاع الثورة الجزائرية من أن تزداد حركات التحرّر في تونس والمغرب راديكالية، أو أن تخرج عن سيطرة القوى الأكثر اعتدالا. وقد أكدت الأحداث اللاحقة هذه المخاوف عند اندلاع الكفاح المسلح في كل من المغرب وتونس.
لذلك، ما أن حصلت الجزائر على استقلالها، سعت الامبريالية الفرنسية، التي لم يكن من مصلحتها أن تواجه كيانا موحدا واسعا، الى إذكاء توترات دائمة بين أكبر دولتين في المغرب العربي، المغرب والجزائر. فكانت حرب الرمال في خريف 1963 بين المغرب والجزائر، ومشاكل الحدود والنقطة الكيلومترية 233 بين الجزائر وتونس. وما أن تمت تسوية هذه المشاكل سنة 1970، حتى برزت معضلة الصحراء التي لن يكون لها حلّ إلا في إطار مغرب مستقلّ وموحّد.
وتبعا لذلك يدفع الشعبان المغربي والجزائري ثمنا باهظا لهذه التوترات التي تغذيها حكوماتهما وتؤججها القوى الإمبريالية، المستفيدة الأولى منها. إذ أنه وبعد ما يقارب السبعة عقود من الاستقلالات المزعومة، لا يزال المغرب العربي يمثّل جنة للشركات الفرنسية، حتى وإن كانت تواجه منافسة من شركات أخرى. إذ يوجد 600 شركة فرنسية في الجزائر، و1000 في المغرب، و1500 في تونس. الشركات مثل توتال وأورانج وكارفور وبيجو ورينو، بالإضافة إلى العديد من الشركات الصغيرة في قطاعات النسيج والطيران والإلكترونيات، توظف ما مجموعه 150 ألف عامل في تونس. لذلك يؤكد علماء الاقتصاد ان "كلفة اللامغرب" ثقيلة جدا على الشعوب.
كلفة "اللامغرب"
يُقدّر تقريرٌ للبنك الدولي أن إغلاق الحدود بين الجزائر والمغرب يُكلّف كلَّ بلدٍ ما يُعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا. وبلغة الأرقام، فإن مئات المليارات من الدولارات قد تبخّرت على مدى العقود الثلاثة الأخيرة، أي منذ إغلاق الحدود البرية بين البلدين سنة 1994. كما تذكر الأرقام أن حجم التجارة البينية لدول المغرب الكبير لا تتجاوز 5℅ من مجمل تجارتها بينما تصل هذه النسبة الى 60 ℅ في الاتحاد الأوروبي.
ومما يزيد في إحباط شعوب المنطقة هو معرفتها بالإمكانيات الهائلة التي يتوفر عليها مغرب كبير موحّد: سوق يضم قرابة 110 مليون نسمة. موارد طاقة كفيلة بضمان استقلالها وزيادة: الغاز والنفط الجزائري، والنفط الليبي، والفوسفات المغربي والتونسي، والثروة المعدنية والموارد السمكية الموريتانية، والموارد الزراعية التونسية. وهي منطقة تسيطر على غرب البحر الأبيض المتوسط ​​وبوابة الصحراء الكبرى. إذا ما نشأ اتحاد فعال، فإن ناتجه المحلي الإجمالي سيتجاوز 1.5 تريليون دولار، مما يجعل المغرب الكبير قوةً تُضاهي تركيا. والحال أن المغرب الكبير ليس جسما منقسما فقط، بل مستعمر كذلك من خلال الديون، والاتفاقيات غير المتكافئة، والقواعد العسكرية الأجنبية على شواطئه.
أما هذه التكلفة، فلم تكن باهظة على الجميع بل أساسا على الطبقات الفقيرة في بلدان المغرب. إذ أن خُمس ميزانية الدولة في المغرب الأقصى مثلا كانت مخصصة لإعالة القوات في الصحراء، في حين أن 13℅ من سكانه يعيشون تحت خط الفقر! وفي المقابل، استفاد من هذه الأموال التي أنفقت في الصحراء رجال الأعمال المغاربة وصانعوا الأسلحة. كما استفادت منها شركات مثل ويستنجهاوس Westinghouse الأمريكية التي أقامت شبكة رادار بتكلفة 250 مليون دولار، في حين تولت فرنسا تجهيز وتدريب الجيش البري.
ويدفع الشعبان الثمن اقتصاديا من خلال سباق التسلح الذي تخوضه حكوماتهما. وقد بلغ هذا السباق ذروته في السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الجزائر أكبر مشتر للأسلحة في أفريقيا، بعد أن أنفقت 24 مليار دولار في عام 2024. ومن المحتمل أن تكون المغرب قد خصصت ميزانية قدرها 13,3 مليار دولار للقوات المسلحة الملكية في عام 2025.
ويبلغ إجمالي مشتريات البلدين أكثر من 60٪ من مشتريات الأسلحة في أفريقيا! إنه هدر فادح! في الوقت الذي تعاني فيه شعوب المغرب الكبير من أزمة اجتماعية حادة، وبطالة جماعية، وتضخم شديد، وتدهور الخدمات العامة -وهي أسباب كانت وراء الحراك الشبابي الذي يعيشه المغرب هذه الأيام- يتمّ إهدار جزء متزايد من الثروة في شراء الأسلحة. ويستغل النظامان المغربي والجزائري هذا التصعيد والمناخ الحربي المصاحب له لإثارة النزعة القومية الضيقة وإسكات الأصوات المعارضة.
ما هي القوى المؤهلة لإنجاز الوحدة
يعيش 110 مليون نسمة في هذه المنطقة الواقعة على مفترق طرق ثلاث قارات، أفريقيا وأوروبا وآسيا، والمحاطة بالبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي والصحراء الكبرى الشاسعة. وهم يتقاسمون نفس الثقافة ونفس التطلعات، وكان من المفترض أن يكون لهم مصير مشترك، ولكن الأمر لم يكن كذلك.
ومع ذلك، لم تكفّ شعوب المغرب الكبير عن التعبير عن تطلعاتها المشتركة. وتشهد احتجاجات الطلاب في سبعينيات القرن الماضي، والتضامن العابر للحدود الوطنية خلال الربيع العربي، ومؤخرًا، التبادلات الرقمية بين الشباب الجزائري والمغربي والتونسي، على واقع ترفض الأنظمة قبوله: فالوحدة موجودة بالفعل، في الأجساد والعقول، والوجدان لكنها مُخمدة بخوف أصحاب السلطة. في حين أن الوحدة أو حتى مجرد التعاون الاقتصادي بين الدول الخمس كان من شأنه أن يمنحهم إمكانيات أكبر لمقاومة الضغوط الإمبريالية، لا سيما ضغوط القوى الاستعمارية السابق منها واللاحق. فرغم كيد الطبقات الحاكمة التي جعلت من وأد المشروع خيارها، يبقى الحلم قائما.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف تحافظ على صحة الدماغ وتقيها من شر نوبات الصداع؟ صحتك بي


.. السجن 12 عاما ضد المعارضة التونسية عبير موسي • فرانس 24




.. التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية يبلغ أعلى مستوى له منذ عا


.. رئيس شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية في غزة يحذر من التداعي




.. من واشنطن - استراتيجية ترمب للأمن القومي.. كيف تعيد تشكيل ال