الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عندما يغيب الضمير

نصرت كيتكاني

2025 / 10 / 17
قضايا ثقافية


عندما يغيب الضمير لا تبقى الأخلاق سوى شعارات ولا يبقى القانون سوى كلمات على ورق.
يصبح الغش ذكاء والخيانة دهاء والنفاق أسلوب حياة .
إنه الغياب الأخطر في حياة المجتمعات لأن لا قانون ولا سلطة يمكن أن تعوّض ضميرا ميتا أو قلبا بلا إحساس بالمسؤولية.

فالضمير هو القانون الذي لا يكتب في الدساتير لكنه يسكن في داخل الإنسان.
هو الذي يجعل العامل يتقن عمله دون رقابة و الطبيب ينقذ حياة مريض حتى لو لم يكن هناك مقابل والمعلم يزرع القيم قبل أن يزرع المعلومات .
وحين يختفي هذا الحارس الصامت يتحول كل شيء إلى تجارة من الدين إلى السياسة ومن العلاقات إلى المبادئ .

ان غياب الضمير لا يحدث فجأة بل يتسلل بصمت عبر تفاصيل الحياة اليومية :
عندما يبرر الإنسان الخطأ لأنه شائع
وعندما يشارك في الفساد ثم يشكو من نتائجه
وعندما يرى الظلم ويسكت لأنه لا يعنيه مباشرة
وحين تصبح المصلحة الشخصية أهم من الصواب.
تبدأ المجتمعات بالانحدار ليس عندما تخسر حروبها بل عندما تفقد شعورها بالخجل من الخطأ .
عندما يغيب الضمير في زمن الحرب والأزمات
في أزمنة الحروب يختبر الضمير أكثر من أي وقت آخر.
هناك من يجعل من معاناة الناس تجارة ومن خوفهم وسيلة نفوذ ومن دمائهم طريقا إلى الشهرة أو المال .
يباع المبدأ في سوق السياسة و يشترى الموقف بثمن بخس ويستغل الفقراء تحت شعارات براقة .

الضمير الغائب في زمن الحرب لا يقتل فقط بالرصاص بل بالتضليل و بالتخوين و بالصمت عن الظلم .
عندما يغيب الضمير تصبح الحقيقة وجهة نظر وتتحول الكارثة إلى مشهد إعلامي وتضيع قيمة الإنسان بين صخب الشعارات و ضجيج المصالح .
ومع ذلك يبقى هناك من يتمسك بإنسانيته
من يغيث المحتاج دون مقابل ومن يقول كلمة حق في وجه آلة الكذب .
هؤلاء هم بقايا الضمير في زمن العتمة… ومنهم تبدأ إعادة بناء الوطن.

المجتمع لا يبنى بالقوانين فقط بل بثقافة الضمير الجمعي .
الأسرة التي تربي أبناءها على الصدق تساهم في بناء وطن نزيه
والمعلم الذي ينمي في طلابه احترام الحقيقة يغرس بذور العدالة في المستقبل .
وحين ينهار هذا الرابط الأخلاقي ينهار معه كل شيء — حتى لو بدت الأبنية فخمة والشوارع مزدحمة.

و ان إحياء الضمير يبدأ من العودة إلى الإنسان نفسه إلى قيمه الفطرية .
ليس المطلوب أن نكون مثاليين بل أن نكون صادقين مع أنفسنا .
أن نسأل قبل كل تصرف : هل هذا يرضي ضميري؟
أن نعيد تعريف النجاح فلا يكون بالمال أو النفوذ بل بالكرامة و الإنسانية.
عندما يغيب الضمير يغيب الوطن معه.
فالوطن ليس أرضا فقط بل مجموعة ضمائر تؤمن بالحق والخير والعدل .
وإذا أردنا مستقبلا أفضل فعلينا أن نعيد الضمير إلى موقعه الطبيعي :
في القلب قبل القانون وفي السلوك قبل الشعارات.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمتان دوليتان تدعوان إلى التحقيق في مقتل الصحفية آمال خليل


.. فرنسا: مقترح لفرض ضرائب على مصنعي السجائر بعد تسبب أعقابها ف




.. بعد خمسة أشهر من اندلاع الحرب... القدرة الشرائية للإيرانيين


.. ترقب للإعلان عن اتفاق وشيك بين إيران وسلطنة عمان بشأن الملاح




.. إعلام يمني: انفجارات في مأرب بعد قصف الحوثيين لمواقع بالمدين