الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل صحيح ان البرلمان ساحة للنضال للقوى اليسارية؟

طارق فتحي

2025 / 10 / 17
في نقد الشيوعية واليسار واحزابها


الطرح المعلن لبعض القوى اليسارية التي تشارك في الانتخابات هو ان التغيير يمكن ان يأتي من الداخل، أي من داخل العملية السياسية، وهذا الطرح يكاد يكون ثابتا لا يتغير، ففي كل دورة انتخابية ينتشر هذا الطرح، أو تنشره القوى اليسارية الداخلة في الانتخابات، وقد أصيبت الكثير من القوى اليسارية بعدوى هذا الطرح السياسي المزيف والوهمي.

في الفلسفة الوضعية هناك ما يسمى مبدأ "إمكانية التحقق"، والتحقق في المعاجم الفلسفية هو: "ما يجريه العالم من عمليات لإثبات صحة الفرض"، ولو طبقنا هذا المبدأ على الفرض القائم على ان "البرلمان ساحة للنضال" او "التغيير يأتي من الداخل"، كما تفترض وتتخيل جماعات اليسار الداخلة في العملية السياسية، قلنا لو طبقنا هذا المبدأ فما الذي من الممكن اثباته؟

انبثقت العملية السياسية بشكل رسمي بعد اجراء الانتخابات الأولى 2005، قبلها مر البلد بمرحلة انتقالية من حكم سيء الذكر بول بريمر كحاكم عسكري، ثم الى مجلس حكم شبيه ب "اللويا جيرغا" الافغاني؛ كانت تلك الانتخابات مهمة للقوى الإسلامية والقومية كونها ستمهد لكتابة دستور للبلاد، وهو ما سيثبت شكل العملية السياسية على هيئة طوائف وقوميات واثنيات.

هذا الرسم لشكل السلطة صار أحد الثوابت لدى قادة العملية السياسية، وهو ما تعاقدوا عليه وما ساروا به، لا يمكن الاخلال او خرق هذا العقد، لكل طائفة او قومية حصتها المتفق عليها: رئاسة الجمهورية للقومية "س"، رئاسة البرلمان للطائفة "ص"، رئاسة الوزراء والقضاء الاعلى للطائفة "د"، ثم جرى تقسيم فرعي آخر: عدد الوزارات للطائفة "د" كذا، وللطائفة "ص" كذا" وللقومية "س" كذا؛ ثم بعد ذلك جرى تقسيم آخر: الوزارات السيادية: وزارات الدفاع والداخلية والخارجية والنفط؛ هذه الوزارات جرى تقسيمها أيضا؛ ثم جرى تقسيم اخر: الأجهزة الأمنية الحساسة "المخابرات، الامن الوطني، مكافحة الإرهاب"؛ ثم تقسيم شمل المدراء العاميين، ثم تقسيم الهيئات المستقلة "هيئة الاتصالات، دائرة المنظمات، البنك المركزي. الخ"، وبإيجاز نستطيع القول انه جرى تقسيم كل شيء، فالأمريكان كانوا قد ضربوا الحجر وكل عرف مشربه.

هذا هو واقع العملية السياسية، الجميع يدرك ويعرف ذلك، مع هذا هناك من أراد ان يقول للناس انه يمكن ان يكون البرلمان ساحة للنضال، او ان التغيير يأتي من الداخل؛ طيب، لا بأس بذلك، لنتحقق من هذا الرأي أو الفرض مرة أخرى:

الشيوعيون والمدنيون المستقلون لم يتركوا الانتخابات، وفازوا في بعض الأحيان بمقعد او مقعدين او أكثر، الان لنسأل سؤالا: هل استطاعوا أولئك الافراد من تحقيق شيء؟ قطعا لا؛ هل استطاعوا ان يغيروا قانونا او يسنوا قانونا او يقترحوا قانونا؟ بالتأكيد لا؛ اذن ما معنى ان البرلمان يكون ساحة للنضال؟ امامنا تجربة الدورات الخمس السابقة، لم يكن للشيوعيين والمدنيين المستقلين أي تأثير يذكر، بل لنقل انهم اضافوا صبغة مدنية للبرلمان او اضافوا شرعية لهم ولديموقراطيتهم.

الإصرار على الدخول بالانتخابات من قبل الحركات الشيوعية لا تفسير له سوى انها ترسم سياسة خاطئة ولا جدوى منها، وتتمسك بالإصرار على تلك السياسة؛ أو انها تريد الحصول على بعض المنافع المادية لتديم وجودها، فهي فقيرة الحال قياسا بالقوى الإسلامية والقومية؛ لكن هذا فهم بورجوازي مقيت ويزيد من عزلة تلك الأحزاب، فضلا عن انه يقوي ويرسخ "الروح" الفردية ويعزز من الانا.

التغيير يأتي من الداخل، هذا شعار رددته قوى الثورة المضادة أيام انتفاضة أكتوبر-تشرين، خصوصا حركة امتداد التي خدعت الكثيرين، فقد هلل لها وطبل جمع كبير من المنتفضين، ثم ماذا جرى؟ اشتركت فعليا بسن القوانين الأكثر رجعية وظلامية، ولم تدافع عن مغيب واحد، ولم توقف عمليات القمع والمداهمة لبيوت الناشطين، خصوصا في عقر دار امتداد "ذي قار"، بل ان قسم من أعضائها تحول الى القوى الإسلامية، وفي الأخير هذا ما آل اليه شعار "النضال من داخل البرلمان".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



التعليقات


1 - رومانسية مميتة و-حشر مع الناس عيد-!
طلال الربيعي ( 2025 / 10 / 17 - 20:23 )
ان الاشتراك في الانتخابات او في العملية السياسية بمجملها هو بمثابة وضع ديكور اضافي لتجميل قباحة العملية السياسية النيوليبرالية. واني اعتقد ان الاحتكام الى تقاليد تاريخية لتوصيف هذا الطرف او ذاك باليسارية, بدون وجود دلائل قاطعة على ارض الواقع حاليا, ليس مفيدا ويعكس للاسف ترهلا معرفيا ونوستالجيا مميتة, مميتة لأنها تنكر الواقع وتعامل الماضي برومانسية, فيجري تشويه الماضي لصالح اقناع النفس والآخرين بما هو مخالف تماما للواقع. وهذا يؤدي, لا محالة, الى خلق آمال غير واقعية-رومانسية سرعان ما تحطمها صخرة الواقع الصلدة, فيتولد المزيد من اليأس والقنوط ويعزف الناس عن العمل السياسي او فقدان الثقة به, وهذه كارثة اخرى تضاف الى كوارث العملية السياسية العديدة. واي اخفاق ستتحمله بالطبع كل الاطراف. لو كان التغيير من الداخل ممكنا, لكان ممكنا تغيير المافيا, المالية او السياسية, من الداخل بدلا من محاربتها واجتثاث جذورها.
لا نحتاج الى اطناب نظري لنفهم ان الاشتراك تعطيل لمبدأ الديالكتيك وبالتالي ليس موقفا ماركسيا.
يتبع


2 - رومانسية مميتة و-حشر مع الناس عيد-!
طلال الربيعي ( 2025 / 10 / 17 - 20:25 )
كأمثلة من الحركة الشيوعية العالمية, احرز زعيم الحزب الشيوعي القبرصي (اكيل)
Demetris Christofias,
بواسطة انتخابات برلمانية, منصب رئيس الدولة للفترة
2008-2013.
وبحكم كون قبرص عضوا في السوق الاوربية المشتركة اصبح بدوره ايضا رئيسا للسوق الاوربية المشتركة لمدة سنة واحدة. ومن الواضح تماما ان فوز سكرتير الحزب الشيوعي بمنصب رئيس الدولة في قبرص او رئاسة السوق الاوربية المشتركة لم تغير قيد شعرة من طببعة النظام الرأسمالي في اوربا او في قبرص . لذا ينبغي هنا التساؤل عن مغزى نضال هذا الحزب من اجل الاشتراكية. فاذا لم يستطع الحزب تحقيق اي تغيير وزعيمه هو رئيس الدولة,فكيف يستطيع الحزب الادعاء بكونه يناضل من اجل الاشتراكية, وكيف سيحققها؟
والكلام نفسه ينطبق على رئيس جمهورية ايطاليا السابق, الشيوعي المخضرم
Giorgio Napolitano,
الذي تعتبر فترة رئاسته, التي بدأت في عام 2006, اطول فترة رئاسة في ايطاليا منذ تأسيس الجمهورية الحديثة. كتب
Napolitano,
بالاشتراك مع المؤرخ الماركسي الكبير
Eric Hobsbawm,
كتاب -طريق ايطاليا الى الاشتراكية-.
يتبع


3 - رومانسية مميتة و-حشر مع الناس عيد-!
طلال الربيعي ( 2025 / 10 / 17 - 20:29 )
غني عن القول ان ايطاليا لم تخطو خطوة واحدة نحو الاشتراكية بوجود
Napolitano
في اعلى منصب في الدولة, وهذا لا يعود بتاتا الى عدم كفاءة
Napolitano
او قلة اخلاصه لمبادئه باي شكل.

ان الاشتراك هو تحقق لوهم نفسي قاتل: -حشر مع الناس عيد-, او لأن الطبيعة تكره الفراغ!



4 - رد على الدكتور طلال
طارق فتحي ( 2025 / 10 / 18 - 17:38 )
ممتن جدا لمرورك واضافتك القيمة التي اثرت الموضوع وزادت من امكانية التحقق من عدم جدوى الاشتراك بالانتخابات
بخصوص تسمية الاحزاب الشيوعي باليسار فهو ليس نوستالوجيا ابدا ، انما هو لتذكير تلك الاحزاب بأنها تسمى الى الان او تسمي نفسها احزاب يسارية لتفريق نفسها عن الاحزاب اليمينية، رغم ان الفروقات بدأت تتلاشى
وحسنا فعلت بالتذكير بتجارب الرئيس القبرضي والايطالي، وحتى في اليونان الى حد ما وفي البرازيل ايضا
لدينا تجارب كثيرة، ما يؤكد ان القضية لا تتعلق باستلام منصب هنا او هناك، بقدر ما يكون بتغيير كامل النظام السياسي والاقتصادي
لدينا في العراق ايضا تجربة صعود سكرتير الحزب الشيوعي العراقي الى البرلمان حميد مجيد موسى، ورغم نواياه الطيبة الا انه لم يفعل شيئا يذكر على دورة انتخابية، لكنه حصل على اشارة من رئيس البرلمان وقتها السلفي محمود المشهداني بالقول ان حميد مجيد موسى انسان شريف ونزيه ولم يتغيب عن جلسات البرلمان
اعتقد انه يجب ان تراجع الاحزاب الشيوعية موقفها من المشاركة في الانتخابات او انها ستنتهي تماما
لكم خالص التحايا

اخر الافلام

.. كواليس مثيرة.. ماذا دار في اجتماع قائد الجيش اللبناني مع الس


.. ما أصداء محادثات مسقط في إيران؟




.. السودان.. هجوم بطائرات مسيّرة على قاعدة كنانة الجوية


.. كلمة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال منتدى الجزيرة في الد




.. كلمة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال منتدى الجزيرة ف