الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين مأزق الطائفية واستحقاق الهوية الكُردية

حجي قادو
كاتب وباحث

(Haji Qado)

2025 / 10 / 19
السياسة والعلاقات الدولية


يمكن اختزال المشهد السوري الراهن في عبارة واحدة دامغة وواضحة:
إنّ القضية الكُردية اليوم تقف بين مأزق الطائفية والمذهبية من جهة، واستحقاق الهوية القومية من جهة أخرى، وسط إنكارٍ متعمّدٍ لوجودها التاريخي.

فكلّ ما يدور في البلاد من لقاءاتٍ دبلوماسيةٍ ومفاوضاتٍ سياسيةٍ وزياراتٍ مكوكية، سواء بين ما يُعرف بالحكومة السورية المؤقتة وبعض الحكومات العربية والدولية، أو في إطار الاتفاقات الاستثمارية والأمنية الموقّعة بالحبر الباهت، لا يصبّ في بوتقة الحلّ العادل للقضية الكُردية في سوريا. بل إنّ معظم هذه التحركات تُدار ضمن حساباتٍ ضيّقة لا تمتّ إلى جوهر الأزمة بصلة، ولا تسعى فعلاً لتجنّب حربٍ داخلية مدمّرة بين مكوّناتٍ سوريةٍ عاشت جنباً إلى جنب لقرونٍ طويلة، ودفعت معاً أثماناً باهظة من الدماء.

وعلى رئيس الحكومة السورية المؤقتة، أحمد الشرع، وشركائه أن يدركوا أنّ توسيع دائرة العلاقات الإقليمية والدولية لا يمنح الشرعية لأي سلطةٍ لا تنال رضا الداخل السوري بكلّ أطيافه القومية والدينية.
فالشعب هو مصدر الشرعية، والضامن الأول لبقاء أي حكمٍ واستمراره، ومن يتجاهل هذه الحقيقة فليتّعظ من مصائر الطغاة والمستبدين الذين سبقوه، وفي مقدّمتهم بشار الأسد، الذي ظنّ أن القوة وحدها تصنع الشرعية.

وفي ظلّ هذا المشهد المأزوم، تتسرب بين الحين والآخر تسريباتٌ سياسيةٌ جديدة، خصوصًا بعد زيارة الشرع إلى موسكو، تتحدث عن تغييراتٍ مرتقبةٍ في بنية الحكم السوري، كاحتمالية تعيين ماهر الأسد رئيساً للإقليم الساحلي، ومناف طلاس رئيساً للجمهورية السورية الفيدرالية، بينما تبقى قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نواةً محتملةً للجيش السوري الجديد.
إلا أنّ هذه السيناريوهات، رغم كثرة ترديدها، لا تغيّر من حقيقة أنّ خطاب الحكومة المؤقتة تجاه القضية الكُردية، خصوصاً في شمال وشرق سوريا، ما يزال خطاباً هشّاً ومترهّلاً لا يرقى إلى مستوى تضحيات هذا الشعب.

لقد قدّم الكُرد آلاف الشهداء دفاعاً عن أرضهم وعن كرامة السوريين جميعاً، ووقفوا في وجه أعتى التنظيمات الإرهابية في العالم، فحرّروا الأرض نيابةً عن المجتمع الدولي، ورووا تراب الوطن بدمائهم الزكية، وزيّنوا فجر الحرية بقرابين الشرف والكرامة.
ومع ذلك، ما زالت حقوقهم تُختصر في كلماتٍ عابرة، ووعودٍ معلّقة على شفاه الساسة المراهقين الذين يتقنون فنّ الخطابة أكثر من فنّ الحكم.

كلّ ما يُقدَّم للكُرد حتى اليوم لا يتجاوز حدود الفقاعة الإعلامية التي تتبدّد مع أول نسمة إنكارٍ قومي أو أول نغمةٍ عنصريةٍ تصدح من أبواق الجماعات المتطرفة، تلك التي وصلت إلى دمشق عبر تفاهماتٍ دوليةٍ مشبوهة، واستولت على القرار السياسي بقوة السلاح، فارضةً واقعاً مريضاً على الأرض السورية.

أليس الكُرد ثاني أكبر قوميةٍ في البلاد؟
أليس من حقّهم أن تُدرّس لغتهم في المدارس والجامعات إلى جانب العربية؟
أليسوا شركاء أصيلين في التاريخ والجغرافيا والوجدان السوري؟
فكيف يمكن بناء وطنٍ جديدٍ من دون ذكر اسمهم في مسودة الإعلان الدستوري؟
وكيف يتحقق العدل إن لم يُعترف بحقوقهم القومية والدستورية وفقاً للمواثيق والعهود الدولية، بما في ذلك حق تقرير المصير؟

لقد حُرم الكُرد من الهوية الوطنية بشكلٍ ممنهجٍ ومقصود طوال العقود الماضية؛
جُرّدوا من الجنسية في عهد حزب البعث المنحلّ،
ثم جُرّدوا من الأمل في عهد سلطةٍ مؤقتةٍ مرتبكةٍ تتحدث عن الحرية ولا تمارسها، وتدّعي الوحدة وهي غارقة في انقساماتها الطائفية والولاءات الخارجية.

إنّ الشعب السوري، بكل مكوّناته، لا يحتاج إلى خطاباتٍ منمّقةٍ تُلقى أمام الكاميرات، بل إلى أفعالٍ صادقةٍ على الأرض.
يريد عدالةً تُمارَس لا تُقال، ومواطنةً تُجسَّد لا تُزخرف على الورق.

أما الحديث عن اندماج "قسد" في ما يُسمّى بالجيش السوري الجديد، فهو رهانٌ خاسرٌ، لأنّ ما بُني على اختلافٍ أيديولوجي وفكري لا يمكن توحيده بالانصهار القسري أو عبر اتفاقاتٍ فوقيةٍ لا تراعي حقائق الواقع.

وما دامت الطائفية والمذهبية والولاءات الضيقة هي المحرّك الرئيس للسياسة السورية،
وما دام أحد لا يجرؤ على القول إنّ القضية الكُردية هي قضية شعبٍ أصيلٍ له حقوقٌ قوميةٌ ودستوريةٌ لا يمكن تجاوزها،
فستظلّ كلّ الحلول السورية ناقصةً ومبتورة،
ويبقى الكُرد الحلقة المفقودة في المعادلة الوطنية،
يبحثون عن وطنٍ لم يُكتب له بعد أن يولد من جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إجراءات تطال الملايين.. كيف يعيد ترامب تشكيل ملف الهجرة؟ | ف


.. التطبيع مع إسرائيل..هل بات الخيار الوحيد أمام لبنان وسوريا؟




.. ارتفاع عدد ضحايا قصف الدعم السريع على محلية كلوقي إلى ثمانين


.. نتنياهو.. الجريمة والعقاب




.. تحديات جسيمة تواجه السلطة الجديدة بسوريا رغم مرور عام على سق