الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نوبل للآداب في بلاد الأوهام
خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
2025 / 10 / 19
كتابات ساخرة
قصة قصيرة
لسبب ما، في عام من الأعوام، قررت مؤسسة نوبل نقل امتياز منح جائزة الآداب إلى بلد آخر. ربما كان تجربة، أو مجاملة سياسية، أو خطأً إدارياً كبيراً. لا أحد يعرف بالضبط. المهم أن الجائزة وصلت إلى بلاد الخرافات.
بدأ الصراع فور الإعلان. من سيجلس في لجنة التحكيم؟ رفع الكتّاب المخضرمون أصواتهم: "نحن من كرّسنا حياتنا للأدب! نحن من نفهم النص والسياق والجمالية!". فردّ أساتذة الجامعات، أصحاب الشهادات العليا بغضب: "نحن من نحمل الدكتوراه! نحن من ندرّس الأجيال! المناصب لنا بالأحقية!". وهكذا تحولت الاجتماعات إلى مشادات، والمشادات إلى تهديدات، والتهديدات إلى... تدخل الوسطاء.
في النهاية، حُسم الأمر بالطريقة المعتادة: صفقات في الظل. من يدفع أكثر، يجلس على الكرسي. جلسوا جميعاً، البعض بالمال، والبعض بالنفوذ، والبعض بالولاء، والقليل منهم بالكفاءة.
في العام الأول لعمل اللجنة، أُعلن عن الفائز بجائزة نوبل للآداب: شاب في الرابعة والعشرين من عمره، اسمه لامع، وعائلته أكثر لمعاناً. والده من كبار المتنفذين في البلاد. وقف على المنصة يرتدي بدلة أنيقة ويبتسم بثقة لا تليق بعمره. تسلّم الجائزة تحت أضواء الكاميرات وتصفيق الحضور، وقال في خطابه: "الأدب رسالة إنسانية..."
صفّق الجميع.
وبعد أسابيع، بدأت الهمسات والإشاعات:
"هل قرأ أحدكم روايته؟"
"سمعت أنها صفقة"
"الاسم له، والمال لأعضاء اللجنة."
لم يكن الأمر سرّاً مخفياً جيداً؛ فالجميع يعرف، لكن لا أحد يتحدث علناً. لم يكتب الشاب الفائز حرفاً واحداً. إنما الرواية كُتبت له، أو بالأحرى، اشتُريت له. لكن المصيبة الحقيقية لم تظهر بعد. وقف أحد النقاد الأجانب في مؤتمر أدبي دولي وقال بهدوء: "هذه الرواية... قرأتها من قبل." صمتت القاعة. فتح الناقد حاسوبه وعرض صفحات متطابقة. الجمل نفسها، الشخصيات نفسها، الحبكة نفسها. "هذه رواية مترجمة. النص الأصلي بالفرنسية، من أعمال باتريك موديانو، الحائز على نوبل للآداب عام 2014." سمعت همهمات في القاعة وطغت النظرات المتبادلة.
"مترجمة؟!".. "إذن هي ليست من كتابته أصلاً!".
لكن الناقد لم ينتهِ بعد. رفع إصبعه وأضاف بنبرة أشد: "ليست مترجمة فقط. إنها منقولة حرفياً، مع تعديلات سطحية في الأسماء والأماكن." سرعان ما تحولت الدهشة إلى صدمة: "سرقة أدبية!". ثم جاءت الطامة الكبرى، والضربة القاضية، عندما قال الناقد بصوت حازم: "إنها من روايات موديانو الذي فاز بجائزة نوبل للآداب قبل سنوات. لم يسرق الفائز الجديد عملاً عادياً، بل سرق من كاتب فاز بنوبل نفسها!".
صفّق أحدهم ساخراً من آخر القاعة. انضم إليه آخرون. تحول التصفيق إلى موجة من الضحك المرير، ثم إلى همهمات غاضبة تملأ المكان. لم يسرق مجرد رواية. سرق من نوبل... لنوبل! وفي اليوم التالي، لم يصدر أي بيان رسمي من اللجنة، ولم يُسحب الاسم من قائمة الفائزين، كما لم يُعَد المبلغ، فقط صمت فاضح.
استمرت الحياة كالمعتاد. لا عجب، إنها بلاد الخرافات. نشر الفائز صورة جديدة على حسابه: يحمل شهادة نوبل ويبتسم، وتنهال التعليقات:"مبدع!"... "فخر الوطن!"..."عبقري!"...
أما باتريك موديانو، في شقته بمدينة باريس، فقد أشعل سيجارة ونظر إلى المطر على النافذة. قرأ الخبر في الصحيفة، وابتسم. ليس سخرية، بل شفقة. ثم أغلق الصحيفة، وفتح دفتره، وشرع في كتابة رواية جديدة بعد روايته التي تُوِّج بنوبل في عام نشرها، وهي رواية "حتى لا تضيع في الحي"، مستفتحًا بعبارة: "لقد ضاع الحي بمن فيه". بعيدًا، بعيدًا جدًا، عن بلاد الخرافات.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. فى ذكرى ميلاد الشيخ الشعراوى الفنانة المعتزلة شهيرة تحكى عن
.. مزمار وفلكلور صعيدي مفأجاة الثقافة لركاب مترو جامعة القاهرة
.. بمناسبة اليوم العالمي للفن مجموعة راشد بن خليفة الفنية حين ي
.. كلمة أخيرة - المطرب عمرو عادل: بدأت الغناء في الأوبرا من سن
.. الفنانة تانيا صالح … • مونت كارلو الدولية / MCD