الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من تُفتح الجنة أبوابها؟

صفاء الصافي
باحث وكاتب في التاريخ الإسلامي

2025 / 10 / 20
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني


لمن تُفتح الجنة أبوابها؟
يجلس المسلم اليوم في سيارته، أو في السوق، أو في المسجد، أو في غرفته، ممسكًا بهاتفٍ صنعه الغرب، متصلًا بالإنترنت الذي أنتجه الغرب، ويتنقّل بين منصات التواصل الاجتماعي التي أنشأها الغرب أيضًا.
ومن خلف الشاشة، يبدأ في نشر آرائه الدينية، يشرح ويعلّق ويجادل، ثم يختم كلامه بتكفير الآخرين، وكأنه وحده من يملك الحقيقة المطلقة، وهو وحده من يسير على طريق الله.
وهكذا تحوّلت السوشيال ميديا إلى ميدانٍ جديد للجدال العقائدي، يتصارع فيه المسلمون على من له الحق في الجنة، فيقول أحدهم: نحن أهل الجنة، فيردّ الآخر: بل نحن من يدخلها.
وتتصاعد التعليقات حتى تنحدر إلى السباب والطعن في الأعراض، وكأن هؤلاء لم يجمعهم دين واحد ولا نبي واحد، ولا كلمة توحيد واحدة..
وكان الله فوضه بالحكم على الناس وفي هذا الشان قال أبو حامد الغزالي في كتابه "فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة"، قال إن الحكم على مصير الناس في الآخرة ليس من شأن البشر، بل هو إلى الله وحده، وإن من الخطأ أن يُكفّر المسلمُ غيره بسبب الخلاف في الفروع أو التأويل.
​كلنا بشر، نُخطئ ونُصيب. ليس من حقك أن تحكم عليّ بالنار لمجرد اختلافي معك في المذهب أو العقيدة أو الدين، فربما يكون الحق معي أكثر منك.
يقول جلال الدين الرومي "لا تقل هذا مؤمن وذاك كافر، فربّما كان عند الله من تزدريه أنت أقرب إليه منك."
​إنَّ العقيدة والمذهب والدين، على الرغم من عمق تأثيرها في حياة الأفراد، ليست سوى منظومة من المكتسبات الفطرية أو البيئية التي يستمدها الإنسان في المقام الأول من محيطه الأولي؛ أي البيت الذي يترعرع فيه والأسرة التي ينشأ في كنفها. هذه المعتقدات، في جوهرها، تُمثّل علاقة فردية وشخصية خالصة بين الإنسان وخالقه، وهي صلة مباشرة لا تحتاج إلى وسيط أو وصي بشري. بالتالي، فإنَّ هذه المفاهيم الدينية والاجتماعية هي شأن خاص جدًا يجب أن يبقى محصورًا في إطار هذه العلاقة الروحية، ولا ينبغي أبدًا أن تتحول إلى أداة للحكم أو الفصل أو التدخل في علاقة إنسان بغيره من البشر.
ومن هنا نقول: ليس من حقّ أيّ إنسان أن يُقصي الآخرين أو يُبعدهم عن أبواب الجنة، فالجنة ليست ملكًا لك ولا لطائفتك حتى تُدخل فيها من تشاء وتُقصي من تشاء.
إنّ كل حديثٍ تتداوله الطوائف عن أن الجنة خُصّت بها دون غيرها، ما هو إلا هواء في شبكة، فهل لدى أحدٍ منهم تفويضٌ من الله بذلك؟
وفي هذا السياق، يقول المفكر علي شريعتي: "كل طائفة ترى أنها الناجية الوحيدة، وتنسى أن الله لم يوكّل أحدًا ليمنح صكوك الغفران."
ان الله، لم يجعل مفاتيح الجنة بيد أحد، ولم يمنح أي جماعة حقّ الوصاية على رحمته. فكم من إنسانٍ بسيطٍ لا يعرف دقائق الفقه، ولا يجيد لغة الجدل، ولكنه أقرب إلى الله من آلاف المتكلمين، لأنه عرفه بقلبٍ خاشع، وصدقٍ في النية، وصفاءٍ في السريرة.

الجنة ليست بطاقة عضوية تمنحها جماعةٌ لمؤيديها، ولا شهادة انتماء تُعلق على صدور الناس، بل هي ثمرة الإيمان الصادق والعمل الصالح والرحمة بالخلق. إنّ الله الذي وسعت رحمته كل شيء، لا تضيق جنته بمؤمنٍ صادقٍ من أي مذهبٍ كان.
ولعلّ أبلغ ما يذكّرنا بحدودنا كبشرٍ أمام رحمة الله قول النبي «لن يُدخل أحدًا عملُه الجنة.»
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟
قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته.»
فإذا كان رسول الرحمة نفسه لا يدخل الجنة إلا برحمة الله، فكيف يتجرأ أحدنا أن يحكم على مصير غيره، أو يُقسّم الجنة والنار بين العباد؟
فلنترك لله أمر عباده، ولنشغل أنفسنا بما يُصلح نفوسنا قبل أن نحاكم إيمان غيرنا. ولنعلم أن الله لا ينظر إلى الطوائف ولا إلى الأسماء، بل إلى القلوب التي أخلصت له.
فمن أراد الجنة، فليفتح بابها بعمله، لا بلسانه، وبمحبته، لا بجداله








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. زلزال مميت في كولومبيا يضرب مانيزاليس ويلحق أضرارا بالكاتدرا


.. الرئيس الإيراني يقول إن التواصل مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئ




.. افتتاح استثنائي.. الكنيسة الملكية في قصر فرساي تفتح أبوابها


.. خارج الصندوق | حصار شامل.. أميركا تضرب الإخوان في كل مكان




.. بعد تكريم شيخ الأزهر له.. الطفل أنس يبدع في تلاوة القرآن بدو