الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
متى نجلسُ بجانب النافذة!؟
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 10 / 20
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
حين يتأمل الفتى العربي مقعده في منتصف السيارة أو الطائرة، بعيداً عن النافذة، لا يدرك أنه يعيش رمزاً يتجاوز حدود الموقف البسيط، فذلك المقعد الأوسط ليس مجرد موضع جسدي، بل هو استعارة عن موقع أمّةٍ بأكملها: أمة كانت يوماً ما في مقعد القيادة، ترى العالم من الأعلى، ثم وجدت نفسها محشورة في منتصف التاريخ، لا إلى النور ولا إلى العدم، تنظر إلى من يجلس بجانب النافذة فيتحكم بالمشهد والرؤية والاتجاه!
السؤال إذن: ليس متى نحصل على المقعد بجانب النافذة؟ بل لماذا رضينا بالجلوس في المنتصف كل هذا الوقت؟
النافذة، في بعدها الرمزي، تمثل الرؤية، أن تجلس بجانبها يعني أن تمتلك القدرة على رؤية الطريق، أي أن تمتلك وعياً بالتاريخ، وإدراكاً لاتجاه الحركة، ومن ثمّ حقًّا في المساهمة في القرار.
لقد جُرّد العرب، بفعل عوامل داخلية وخارجية، من هذا الحق في الرؤية، وأصبحوا يتلقّون المشهد لا يصنعونه، يشاهدون الأحداث لا يشاركون في كتابتها.
منذ القرون الوسطى، حين بدأت موجة الانكفاء الحضاري، واستُبدلت "عقلانية الفعل" بـ "عاطفية الذاكرة"، بدأ الانسحاب من موقع الرؤية، وصارت النافذة مغلقة، أو مفتوحة للآخر فقط!
الغرب رأى من خلالها العالم وامتدّ إليه، والعرب أغمضوا أعينهم خوفاً من ريح التغيير أو من وهج ضوء الآخر!
تتجذّر الإشكالية في أن العرب، رغم امتلاكهم كل مقومات القوة (الموقع، الثروة، اللغة، الدين، التاريخ) يعيشون مفارقة مأساوية: ثراء الموارد يقابله فقر الإرادة، لقد تحوّل الماضي إلى قيدٍ، بدل أن يكون رافعةً، وأصبح التراث تبريراً للعجز لا منبعاً للفعل!
تراكم هذا الشعور بالوسطية والحياد حتى صار نمطاً وجودياً: نحن لسنا في الصف الأمامي حيث يُتخذ القرار، ولسنا في الصف الأخير حيث يبدأ التمرد، نحن فقط... في الوسط، ننتظر!
ثقافة الانتظار تلك جعلت العرب يتعاملون مع التاريخ كـ"طائرة" متعطّلة لا تصلح للقيادة والطيران إلا بقرار خارجي، في حين أن الشعوب الأخرى اقتحمت أبوابها وصنعت مقاعدها الخاصة بجانب النافذة وشرعت بالطيران!
إذا أسقطنا الرمزية على الواقع السياسي، نجد أن النظام الدولي الحديث منذ الحربين العالميتين أعاد توزيع المقاعد: القوى الكبرى جلست بجانب النافذة، ترسم خرائط النفوذ وتتحكم في الرؤية والمصير. أما العرب، فتوزعوا بين مقاعد متفرقة داخل الطائرة:
بعضهم مشغول بالخلاف على المقعد الداخلي،
وبعضهم يفاوض على مسند الذراع،
وآخرون يقبلون بالبقاء واقفين في الممر، ما دام "الرحلة" مستمرة ولو بلا وِجهة!
لم يكن العجز العربي يوماً نتيجة نقص في الإمكانيات، بل في ترتيب الأولويات،
فحين تتحوّل الدولة من مشروع حضاري إلى كيان قُطري محدود، ومن مفهوم الأمة إلى مفهوم "الحدود"، تفقد النافذة معناها، لأن الرؤية تتقلّص إلى إطار ضيق لا يتجاوز حدود المقعد الوطني!
لقد ترك العرب مقعدهم "بجانب النافذة" لمن ادعى الحداثة والتنوير، بينما هو في الحقيقة استعمر ونهب، وأعاد تشكيل الوعي العربي وفق منظومةٍ تُبقيه في مقعد المنتصف، لا يرى، ولا يقرر ولا يختار.
القضية ليست أن العالم يمنع العرب من الجلوس بجانب النافذة، بل أنهم اقتنعوا ضمنياً أن هذا المقعد ليس لهم، العقدة النفسية الجماعية التي تراكمت منذ قرون من الهزائم والخيبات جعلت العربي يرضى بموقعه الحالي، بل ويخشى أن يطالب بتغييره!
وهذا هو جوهر الأزمة السياسية العربية: أزمة إرادة، لا أزمة إمكانية. ولا يمكن لأي كيان أن يشارك في صناعة العالم ما لم يمتلك وعياً بذاته أولاً، والعرب يعانون اليوم من انقسام الوعي: وعي متخمٌ بالماضي، ووعي عاجزٌ عن الحاضر، ووعي غائبٌ عن المستقبل.
متى يجلس العرب بجانب النافذة؟
سؤال يبدو بسيطاً، لكنه في عمقه استجواب وجودي وسياسي لموقع أمة بأكملها في مسرح التاريخ: حين يتحول "الوعي بالأزمة الحضارية" للعرب إلى "إرادة للفعل"، حين يدرك العربي أن الخوف من المطالبة بمقعده هو الخضوع بعينه، يجلس العرب بجانب النافذة عندما:
• يؤمنون بأن الرؤية حق وليست منّة؛
• يستبدلون ردّ الفعل بالفعل ذاته؛
• يفكّكون التبعية الفكرية والسياسية ويؤسسون لنهضة فكرية جديدة؛
• يحوّلون الثروة إلى مشروع حضاري لا إلى ريع سياسي؛
• يعودون إلى روح الرسالة الأولى في بعدها الإنساني، لا السياسي فقط، فالإسلام في جوهره رؤية للعدل والحرية، لا تبرير للاستكانة.
الجلوس بجانب النافذة ليس ترفاً ولا امتيازاً، بل هو استعادة لحقٍّ تاريخي في الرؤية والقيادة،
إن الفتى العربي (من أقصى المحيط إلى ضفاف الخليج) الذي قرر أخيراً أن يطالب بمقعده ليس مجرد طفل يبحث عن المنظر، بل رمز لإنسان عربي بدأ يتصالح مع فكرة النهوض، لا بوصفها حلماً رومانسياً، بل مشروعاً ممكناً، وحين ينجح العرب في تحويل الخوف والترددّ من المطالبة بحقهم إلى شجاعة في استعادته، عندها فقط.. ستكون لحظة ميلاد أمة من جديد، وحينها يجلس العرب بجانب النافذة، ويرون العالم كما أرادوا هم أن يكون، لا متفرجين عليه، بل صانعين له.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سد النهضة من جديد على طاولة أميركا.. ماذا يريد ترامب؟ | #ستو
.. الجزيرة تستطلع الأوضاع بمخيم الهول بسوريا والذي يضم عائلات م
.. أردوغان: لا وجود لمن يسعى للفرقة بين الأتراك والعرب والأكراد
.. خارج الصندوق | ترمب يرفع الغطاء: رئيس سوريا قوي ومهمة قسد ان
.. خارج الصندوق | دمشق تكذب قسد.. والعليمي يتوعد رؤوس الإرهاب