الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ترامب بين السياسة والتجارة صفات لا أتفاقات
رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)
2025 / 10 / 21
مواضيع وابحاث سياسية
منذ عودة دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي الأمريكي، ظلّ الجدل محتدماً حول طبيعة شخصيته وأسلوبه في إدارة الدولة، إذ يجمع كثير من المراقبين على أن ترامب لا يفكر بعقلية السياسي التقليدي، بل بعقلية رجل الأعمال الذي يقيس كل خطوة بميزان الربح والخسارة. هذه السمة التي ميّزته منذ دخوله عالم السياسة لم تتبدل مع مرور الزمن، بل تعمّقت أكثر لتصبح السمة الأبرز في منهجه الدولي والإقليمي. ينظر ترامب إلى العلاقات الدولية كما ينظر إلى سوق استثماري مفتوح، يرى في كل أزمة فرصة وفي كل حرب صفقة يمكن عقدها، فهو لا يتعامل مع الملفات السياسية بمنطق التوازنات الدبلوماسية أو التحالفات طويلة الأمد، بل بمنطق المقايضة: ما الذي يمكن أن تجنيه الولايات المتحدة مقابل أي دعم أو موقف؟
في الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرت اثني عشر يوماً، حاول ترامب أن يوازن بين التهديد العسكري والمبادرة الدبلوماسية، فصرّح بأن الولايات المتحدة قد تتدخل عسكرياً إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وفي الوقت نفسه أكد أنه يفضّل نهاية حقيقية للنزاع عبر صفقة تضمن مصالح جميع الأطراف. وقد أعلن لاحقاً أن الولايات المتحدة نفّذت ضربات محددة ضد مواقع نووية إيرانية بالتنسيق مع إسرائيل، قائلاً إن واشنطن وتل أبيب "عملتا كفريق ربما لم يعمل مثل هذا الفريق من قبل". وبعد إعلان الهدنة بين البلدين، صرّح بأن كلاً من إسرائيل وإيران أراد إنهاء الحرب بشكل متساوٍ، في إشارة إلى أن تدخله ساهم في صياغة وقف إطلاق النار. هذا الموقف يجسّد عقلية ترامب التجارية التي ترى في الحروب فرصة للمقايضة السياسية والاقتصادية، فهو لا يسعى إلى حلول دبلوماسية طويلة الأمد بقدر ما يبحث عن نتائج سريعة يمكن تسويقها كإنجاز أو صفقة ناجحة أمام الداخل الأمريكي والعالم.
وفي المقابل، اتخذ ترامب موقفاً مشابهاً في الأزمة التي اندلعت مؤخراً بين الهند والباكستان، إذ أعلن أن الولايات المتحدة "مستعدة للمساعدة" في إنهاء النزاع، وأشار إلى أنه مارس ضغوطاً تجارية على الطرفين للمساهمة في التهدئة، مدّعياً أن قوته الاقتصادية كانت العامل الرئيس في وقف التصعيد. وأكد في أكثر من مناسبة أنه "لولا قوة التعريفات الجمركية الأمريكية لما توقفت أي من هذه الحروب"، ملمحاً إلى أن واشنطن استخدمت نفوذها التجاري كوسيلة ضغط لإجبار الطرفين على التراجع. غير أن الحكومة الهندية نفت أن تكون واشنطن قد لعبت دوراً محورياً في الوساطة أو أن وقف القتال كان نتيجة لتدخل مباشر من ترامب، وهو ما يعكس ميله الدائم لتصوير نفسه كصانع صفقات حتى في الحالات التي لم يكن فيها تأثيره فعلياً أو مباشراً.
هذه المواقف تؤكد أن ترامب يتعامل مع النزاعات الدولية كفرص اقتصادية أكثر منها أزمات سياسية، فهو يفضل استخدام أدوات الضغط التجاري والعقوبات الاقتصادية على التدخل العسكري المباشر، ويرى أن النفوذ الأمريكي يجب أن يُقاس بقدرة واشنطن على فرض إرادتها عبر الأسواق لا عبر الجيوش. لقد تحولت الولايات المتحدة في عهده من "شرطي العالم" إلى "رجل أعمال العالم"، حيث تُدار العلاقات الدولية بعقلية السوق المفتوحة، وتُستبدل التحالفات طويلة الأمد بتحالفات آنية تتبدل وفق المصلحة.
وإذا ما استمر ترامب أو تياره في قيادة أمريكا خلال السنوات القادمة، فإن السياسة الخارجية ستتجه نحو براغماتية مطلقة تجعل التحالفات مؤقتة والعداوات قابلة للمساومة. فالرجل لا يتحدث بلغة القيم أو المبادئ، بل بلغة الأرقام والمكاسب، وستسعى الولايات المتحدة في ظل هذا التوجه إلى تقليص كلفة تدخلاتها العسكرية مقابل توسيع هيمنتها الاقتصادية والتقنية، معتمدة على مبدأ الصفقات المرحلية بدل الاستراتيجيات طويلة الأمد.
إن هذه العقلية التجارية جعلت السياسة الأمريكية تتحول من مشروع عالمي ذي رؤية استراتيجية إلى مجموعة من الصفقات المتناثرة التي تبحث عن المكسب الآني. ورغم ما تحمله هذه المقاربة من فعالية اقتصادية قصيرة المدى، إلا أنها تضع مستقبل النفوذ الأمريكي في موضع الشك، إذ إن الدول لا تُدار كالشركات، والسياسة لا تُربح دائماً كما تُربح الأسواق. ومع ذلك، فإن عصر ترامب، سواء في الحكم أو في التأثير، قد رسّخ واقعاً جديداً في السياسة الدولية، قوامه أن أمريكا لم تعد تقود العالم، بل تتاجر به.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في واشنطن والصفقات النفطية ع
.. مقتل شاب كولومبي برصاص شرطة الهجرة الأمريكية يثير موجة غضب ف
.. ألسنة اللهب تحاصر فونتينبلو قرب باريس والتحقيقات تتجه نحو شب
.. الحصار البحري يعود إلى الواجهة.. وإيران في الاختبار الأصعب |
.. قراءة عسكرية | جبل الفأس في دائرة التهديدات الأمريكية وسط ال