الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
بين التعاطف والتفهم: هل تخفي اللغةُ الجريمة؟
سامي خويص
2025 / 10 / 21القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
بدايةً: مع كامل الحب والاحترام لكل من جعلته شدة الألم يختار الصمت، وكلِّ من كتب حرفا أو نطق بكلمة حق وحب وتضامن مع السويداء، لكن...
بعد صمت طويل من معظم الكتاب السوريين، وبعد أن وزعوا وزر الجريمة بالتساوي بين القاتل والقتيل، تأتي المرحلة الثالثة تحت عنوان التفهم والتعاطف مع الضحية، تتزامن مع نشاط محموم للسلطة/القاتل الحقيقي، لتلميع صورتها وغسل الدم عن الياقات البيضاء الجديدة.
في كل مرة تُرتكب فيها جريمة كبرى بحق جماعة من السوريين، تتداعى الأقلام سريعا لتكتب بصدقٍ وألمٍ عن "المأساة الإنسانية"، عن "الخصوصية الثقافية" للضحايا، عن عمق جراحهم، وتاريخهم الطويل في الخوف والاضطهاد، تَدبِجُ المقالاتِ بأناقة ضماد، وتحقن تحته مضاد التهاب وحفنة مسكنات.
لكن، يا للمفاجأة... هذا النوع من الكتابة لا يواسي الضحية بقدر ما يبرّئ المجرم. فحين تتحول اللغة إلى وسيلة للتفهم بدل الإدانة، "لن يكون أمامها إلا أن تخرج إلى الشرفة مثل ماري انطوانيت لتحي الشعب المتدافع أمامها"، فتُحوّل القتل إلى سوء فهم ثقافي، والمجزرة إلى سوء تواصل بين مكوّنات "لا تفهم بعضها"، وكأنّ الدم السوري انسكب لأننا لم نحسن الإصغاء إلى خصوصيات بعضنا، لا لأن هناك من قرّر القتل.
هذا الخطاب "الإنساني" الذي يزدهر بعد كل مأساة، يقوم - دون وعي - على منطقٍ مراوغ: يغفل الحديث عن الجاني المباشر، ليطرح تفسيرا نفسيا أو ثقافيا للحدث، فيغدو القاتل شخصا متخلفا منفلتا أعماه الحماس لا قاتلًا، ويصبح الجمهور المحرض "جاهلًا بثقافة الآخر" لا شريكا في الجريمة، وتتحول الضحايا من رجال ونساء وأطفال قُتلوا ظلما إلى "كائنات فريدة ذات خصوصيةٍ ثقافيةٍ لم تُفهم جيدًا". وبالعطف على ذلك، تصبح السلطة التي خططت وأشرفت على الجريمة شبحا طيبا لا يجوز المساس به ولو بنظرة (مخافة الحسد).
بعد المجزرة التي استهدفت السويداء مؤخرا، رأينا هذا الخطاب يتكرّر بصيغٍ متعددة:
كُتّابٌ وصحفيون ومحلّلون راحوا يصفون ويشرحون "النفسية الجبلية"، و"ذاكرة الخوف التاريخية"، و"الانكفاء الدرزي الموروث"، وكل ذلك بِنيَّة صافية هدفها: التفهم، والبحث عن الأسباب. لكن هل يحتاج من يُحرق أبناؤه ويُلقى بهم من الشرفات إلى من يشرح خصوصيته؟
أم إلى من يصرخ مرددا: يلي بيقتل شعبو خاين"
في لحظة الجريمة ننتظر أن تكون اللغة صرخة، لا بلاغة شعرية، نتوقع ألا يكون الكاتب مراقبا مخبريا يقيس المدخلات وينتظر مخرجات التفاعل، أو كاهنا يقدّم طقسا للتطهير الجماعي بدل أن يصرخ: "ولكن الإمبراطور عار".
ما تحتاجه السويداء هو الصوت الذي احتاجت إليه المدن السورية خلال الخمس عشرة سنة الماضية، الصوت الذي ملأ الشوارع: "يا ... حنا معاك للموت". تحتاج كاتبا يفضح من قتلها، واختطف أبناءها وبناتها وأهان رجالها واستباح بيوتها وأغراضها. كاتبا لا يروي قصص التاريخ، ويتغزل بالقيم والأخلاق، بل يسمّي القاتل باسمه، ويطالب بعدالةٍ لا تعرف المواربة. فأكثر ما يؤلم الضحايا هي الكلمات المراوغة التي تصف جراحهم.. كلمات كلمات كلمات يا هاملت.
التاريخ لا يُكتَب بالعواطف، بل بالشهود الذين يضعون الجريمة في سياقها السياسي، ويجرؤون على القول: ليست مأساة ثقافية، ولا صدمة حضارية، بل جريمةٌ مكتملة الأركان.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ملف سبتة ومليلية.. تجميد أم تأجيل؟ | مسائية
.. استراتيجية أميركية جديدة تهز أوروبا.. وترامب يتحدث عن إعادة
.. قوات درع الوطن باليمن تعلن عن توسيع انتشارها في المحافظات ال
.. تحديات دخول المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب على غزة.. قرا
.. توقيع اتفاق الدوحة لترسيخ الالتزام بالسلام بين حكومة كولومبي