الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الماسونية ونظريات المؤامرة
محسن عزالدين البكري
2025 / 10 / 25السياسة والعلاقات الدولية
كنتُ أتغدّى في مطعمٍ شعبيٍّ في سوقٍ متواضع، وكنتُ أحيانًا أدخل إلى جانب المطبخ لأتناول طعامي هناك، بحكم علاقتي بصاحب المطعم.
في أحد الأيام دخلت كعادتي، فالتفتُّ ورأيت معه فقط دستًا صغيرًا جدًا يطبخ فيه، فقلت له: ما هذا؟
فأجابني: ما في زبائن...
في الواقع، كان هناك من افتتح مطاعم جديدة بأسلوبٍ مرتبٍ وحديث، بينما هو بقي على طريقته الشعبية القديمة، رغم أنه كان سابقًا يشتغل بقوة ويزدحم زبائنه يوميًا.
الغرض من هذه القصة شيئين:
أولًا: أن نظرية التطور والبقاء للأصلح لا تقتصر على علم الأحياء فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد، وعلم الاجتماع، وحتى الفيزياء، بل إلى كل المجالات تقريبًا — إلى تاريخ الأديان والطوائف والشعوب والفلك أيضًا — فهي نظرية عظيمة تشرح حركة الحياة والتحول في كل شيء. من لا يتأقلم ويتكيف مع التغيير يندثر.
ثانيًا: الحديث عن نظريات المؤامرة، وبالذات تضخيم دور "الماسونية" والقول إنها تسيطر على العالم.
أي حدث في العالم يجري يقول لك البعض فورًا: بتوجيه الماسونية!
وأي شخص يعبّر عن فكرة جديدة أو يتحدث بأسلوب مختلف يقولون عنه: مدعوم من الماسونية!
صاروا يفسّرون كل شيء بها، حتى فشل المجتمعات والدول وتأخرها في التطور أو النجاح، وكل نجاح سياسي، أو فشل سياسي، أو تقلب في الأوضاع، وكل نجاح، وكل حروب، وكل نزاعات يُفسّرونها أيضًا بأنها بتوجيه الماسونية.
كل فشل عند البعض يُعلّق على الماسونية: "هم السبب، هم الذين يمنعون النجاح، هم الذين يتحكمون بالدول والأسواق..." حتى صار كل حدث، وكل نجاح، وكل ثراء، يُفسّر بالماسونية. أي شركة كبرى، أي دولة قوية، أي ابتكار جديد، يقولون عنه ماسوني!
يا ولد، اهدأ... الأمور في العالم تسير بطريقة تشبه قصة المطعم التي ذكرتها لك. في كل مرة يظهر شيء جديد، قوة جديدة، ابتكار جديد، والبقاء ليس لمن يملك المؤامرة، بل لمن يتطور ويتكيف. لا أحد يستطيع أن يتحكم في العالم كله، ولقرونٍ كما ترددون عن تاريخ وبقاء "هيمنة الماسونية"، حتى وإن وُجد فعلًا شيءٌ اسمه ماسونية.
خذ مثلًا: شركة نوكيا، كانت في فترة من الفترات تغرق العالم بهواتفها، ثم جاءت الهواتف الذكية فأطاحت بسيطرتها.
التجار والأثرياء في معظمهم مخترعون ومبتكرون، يقدمون فكرة أو منتجًا جديدًا، فينجحون ويصبحون قوى اقتصادية.
أما الدول، فالصين مثلًا كانت قبل نصف قرن دولة فقيرة، والآن أصبحت قوة اقتصادية عظمى.
حتى طرق اللبس والعادات تتأثر بالقوة والنجاح: الناس غالبًا يقلدون الأقوى والأكثر تأثيرًا.
عندما لبست ملكة بريطانيا ثوبًا أبيض في زفافها، أصبحت كل النساء يلبسن الأبيض في الأعراس.
واليوم ترى الكثيرين يقلدون المظاهر الأمريكية والهندية بتأثير هوليوود وبوليوود، ومؤخرًا الكورية والتركية، بسبب انتشار متابعة المسلسلات والأفلام الكورية والتركية والدعاية الإعلامية المرتبطة معها، خصوصًا في مناطق الشرق حيث مدى تأثيرها يتسع يومًا بعد يوم، ومن يدري؟ ربما تنجح وتصبح ذات تأثيرٍ عالميٍّ قريبًا.
اللهجة المصرية مثلًا أصبحت أقوى اللهجات العربية بسبب تأثير السينما المصرية، وبعدها جاءت اللهجة السورية، والآن بدأ تأثير اللهجة الخليجية ينتشر في البلدان المجاورة.
حتى في اليمن، سيطرت العمامة الإماراتية على المشهد، لأن تلك الدول أصبحت أكثر نجاحًا وتأثيرًا. حسب كل فترة من الزمن
قبل ذلك كان هناك تأثير تركيًا وهنديًا في الأزياء والمصطلحات، كالطربوش وبعض الأسماء ذات الأصل التركي أو الهندي.
كذلك الثقافة العلمانية والديمقراطية أصبحت اليوم حلم معظم الشعوب، بعدما كانت الشيوعية والاشتراكية تغطي نصف العالم.
تمر بعض المجتمعات بفترات من الانفتاح وأخرى من التشدد، لكنها تتغير باستمرار.
في القوة العسكرية مثلًا: تعاقبت الروم، ثم فارس، ثم العرب، ثم المغول، ثم في القرون الأخيرة برزت إسبانيا والبرتغال وبريطانيا وأمريكا واليابان والصين. في فترات متناوبة في المراكز يتقدم مركز قوى ويتأخر مركز قوى أخرى .
حتى ألمانيا، صعدت ثم هبطت ثم عادت قوة اقتصادية كبرى.
وأيضا ظهرت قوى اقتصادية جديدة في دول كانت فقيرة جدا إما بسبب أنها وجدت ثروات طبيعية في أراضيها أو إدارة بشرية كفؤة، مثل دول النفط في الخليج.
ومن الدول التي نجحت بفضل الإدارة الجيدة: سنغافورة، هونغ كونغ، ماليزيا.
العالم في تقلبٍ مستمر... لذا أين هو هراؤك هذا الذي تسميه "الهيمنة الماسونية"؟
......
تحياتي :
أ/ محسن عزالدين البكري
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غلاف مجلة إيطالية يغضب إسرائيل..ما القصة؟ • فرانس 24
.. الدعم الصيني لإيران.. تعاون سري؟ أم مجرد حرب روايات؟
.. محاولة فهم | ما بعد إسلام آباد.. هدنة أم حرب مؤجلة؟
.. روبوتات تحت الماء.. سلاح أميركا لفتح مضيق هرمز
.. خطوة لمفاوضات ثانية.. أميركا وإيران تدرسان تمديد الهدنة أسبو