الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القيادة بين الصرامة والغرور

رحيم حمادي غضبان
(Raheem Hamadey Ghadban)

2025 / 10 / 25
قضايا ثقافية


القيادة من الظواهر الإنسانية العميقة التي تجمع بين البعدين الفردي والجماعي، فهي من جهة تعبير عن طموح الإنسان للتميز وتحمل المسؤولية، ومن جهة أخرى ضرورة اجتماعية لتنظيم العمل وضبط العلاقات داخل الجماعة. فالمجتمع – كما يؤكد علماء الاجتماع – لا يمكن أن يستقيم من دون وجود قيادة، إذ لا بد من شخص أو مجموعة تمتلك سلطة القرار والتوجيه حتى تسير الأمور باتزان. لكن هذا الموقع الذي يحتله القائد ليس مجرد وظيفة إدارية، بل هو موقع نفسي وسلوكي يُحدث تحولاً في شخصية صاحبه وفي نظرته إلى ذاته والآخرين.

يرى علم الاجتماع أن القيادة تنشأ نتيجة التفاعل بين القائد والجماعة، فهي ليست صفة فطرية خالصة ولا مكتسبة بالكامل، بل مزيج بين استعداد شخصي وفرص اجتماعية. فالقائد الناجح هو الذي يتمكن من قراءة حاجات الجماعة والتعبير عنها، فيمنحونه ثقتهم ويقبلون سلطته طواعية. لكن حين تتحول هذه السلطة إلى أداة لفرض الإرادة دون مشاركة، يبدأ الخلل الاجتماعي في الظهور، وتتحول القيادة من علاقة ثقة إلى علاقة هيمنة. وهنا تبدأ المسافة بين الصرامة والغرور بالاتساع، إذ يظن القائد أن احترام الجماعة له نابع من الخوف لا من التقدير، فيميل إلى التشدد أكثر ظناً منه أن الحزم هو الوسيلة الوحيدة للسيطرة.

أما علم النفس فيقدّم تفسيراً دقيقاً لهذا التحول، إذ يرى أن الإنسان حين ينتقل من موقع المأمور إلى موقع الآمر، تتغير آليات إدراكه للذات والآخر. فالقوة والمكانة تثيران في النفس ميولاً دفينة نحو السيطرة والتميز، وهي ميول طبيعية إذا ظلت في حدودها، لكنها قد تتضخم عند بعض الأفراد فتنقلب إلى شعور بالاستعلاء. يشير علماء النفس إلى ظاهرة تُعرف بـ"تأثير المنصب" (The Power Effect) حيث يؤدي الإحساس بالسلطة إلى تغيّر في طريقة التفكير واتخاذ القرار. فالقائد قد يشعر بأنه أكثر علماً وكفاءة من الآخرين، فيقلّ استماعه للنقد، ويزداد تمسكه برأيه حتى دون مبرر منطقي. وهنا تظهر ملامح الغرور التي تباعد بينه وبين جماعته، وتحوّل القيادة إلى تسلط، والهيبة إلى نفور.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، فإن القائد الذي يعيش ضمن بيئة تضعه في موضع القداسة أو الإطراء المستمر يكون أكثر عرضة لهذا الانحراف، لأن الجماعة تساهم – من حيث لا تشعر – في تضخيم "الأنا" لديه عبر المديح والإطراء، مما يولّد لديه إحساساً زائفاً بالعصمة والكمال. بينما القائد الذي يتلقى النقد البناء ويتعامل مع بيئة تتيح له الحوار والمراجعة، يظل أكثر تواضعاً واتزاناً، لأن وعيه بذاته يتغذى على التفاعل الواقعي لا على التصفيق.

ويؤكد علماء الاجتماع أيضاً أن القائد يعيش صراعاً داخلياً بين انتمائه للجماعة وخصوصية موقعه منها، فهو مطالب بأن يكون مثلهم في القيم والسلوك، ومختلفاً عنهم في القرار والمسؤولية. هذا الصراع يولّد ما يُعرف بـ"العزلة القيادية"، وهي حالة يشعر فيها القائد بأنه لا يستطيع التعبير عن ضعفه أو مشاعره الطبيعية حتى لا يُفهم ذلك على أنه ضعف في القيادة. ومع الوقت، قد تتحول هذه العزلة إلى جدار نفسي يعزله عن الناس، فيفقد التعاطف ويغلب عليه الجمود، وهنا تتحول الصرامة التي كانت ضرورية إلى قسوة لا مبرر لها.

إن القيادة الحقيقية، في نظر علماء النفس والاجتماع، ليست في إصدار الأوامر ولا في فرض الهيبة، بل في القدرة على الإقناع والتأثير الإيجابي. القائد الناجح هو الذي يفرض احترامه بخلقه وعدله لا بصوته العالي أو سلطته، وهو الذي يدرك أن الصرامة وسيلة لضبط العمل لا لإلغاء شخصية الآخرين. فحين يوازن القائد بين العقل والعاطفة، بين الحزم والرحمة، وبين السلطة والخدمة، فإنه يحقق المعادلة الأصعب: قيادة إنسانية فعّالة تحفظ هيبته وتكسبه قلوب الناس في آنٍ واحد.

إن الخطر الأكبر على أي قائد أن يصدق أنه فوق النقد، أو أن مكانته تمنحه امتيازاً أخلاقياً على من حوله، لأن اللحظة التي يختفي فيها التواضع من قلب القائد هي ذاتها التي تبدأ فيها نهايته المعنوية. فالتاريخ ملئٌ بقادة ظنوا أن هيبتهم عصمة، فغابت عنهم البصيرة وسقطوا في فخ الغرور. أما الذين فهموا القيادة على أنها مسؤولية ورسالة، فخلّدهم الناس بعد رحيلهم لأنهم جمعوا بين القوة والرحمة، وبين الصرامة التي تحفظ النظام والتواضع الذي يحفظ الإنسانية.

وهكذا تبقى القيادة ميداناً لاختبار النفس البشرية في أعلى صورها، فهي مرآة تكشف معدن الإنسان حين يُمنح القوة، وتظهر إن كان قادراً على أن يكون سيد نفسه قبل أن يكون سيداً على غيره.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. رئيس وزراء ليبيا الأسبق: حكمة الأمير الوالد صنعت سلاما بملفا


.. الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية: الأمير الوالد بنى




.. شبكات | وفاة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني


.. شبكات | أمريكا تضرب إيران والحرس الثوري يرد.. هل عادت الحرب؟




.. شبكات | صواريخ أرعبت إيلون ماسك.. الصين واليابان تختبران صوا