الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدين لله والوطن للجميع: رؤية في السياق السوري*
أكرم شلغين
2025 / 10 / 26العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
في فضاء الجغرافيا السورية، تلك الأرض التي شهدت أولى شرائع القانون وولدت فيها أقدم أبجدية في العالم، تلتقي عشرات الثقافات والأديان والطوائف لتشكل نسيجا إنسانيا استثنائيا. وسط هذا التنوع، تبرز ضرورة إحياء مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" كحجر أساسي لبناء سوريا الوطن والمواطنة، وهو مبدأ يسعى لتحقيق دولة مدنية تحترم التعددية الدينية والمذهبية، وتضمن العدالة والمساواة لجميع المواطنين دون تمييز.
هذه الرؤية ليست مجرد شعار طوباوي، بل ضرورة وجودية لبناء سوريا مستقبلا، مع ضرورة فصل المجال الروحي عن السياسي. هذا المبدأ يدعو إلى التأكيد على أن الانتماء الوطني لا يقاس بالعقيدة، بل بالولاء للتراب والإنسان، وهو تعبير عن هوية وطنية جامعة تضع المصلحة العامة فوق الانتماءات الطائفية. فمنذ فجر التاريخ، كانت سوريا أرضا للتنوع الديني والثقافي، ومثالا حيا على التعايش بين الديانات وكأن التاريخ يهمس: "الاختلاف لا يُفسد في الودّ قضية".
لطالما كانت العلاقة بين الدين والسياسة مصدرا للجدل في سوريا، حيث تداخلت في العديد من المحطات التاريخية، وكان لهذا التداخل تأثيرات كبيرة على النسيج الاجتماعي. فعلى الرغم من التنوع الديني والثقافي في المجتمع السوري، فقد أسهم الدين في السياسة في تفكيك التماسك الوطني وزيادة الانقسامات الطائفية والمذهبية، مما جعل الدولة تتعثر في تحقيق المساواة بين جميع مواطنيها.
هنا يأتي دور مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" الذي يدعو إلى تحقيق التوازن بين الانتماء الديني والمواطنة، ليؤكد على أهمية دولة مدنية محايدة دينيا تقوم على المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن عقائدهم.
لنذكر أنفسنا أن سوريا لم تكن يوما حكرا على دين واحد. عبر العصور، عاشت على أرضها المسيحية بكل طوائفها، والإسلام بكل مذاهبه، واليهودية، والدروز، والإيزيديين وغيرهم من الأديان والمذاهب. هذا التنوع هو جزء من الهوية السورية الأصيلة التي شكلت حوضا حضاريا غنيا بالتفاعل الثقافي والديني. كما أبرز المفكر فراس السواح في كتابه "آرام دمشق وإسرائيل" (1989)، حيث سلط الضوء على التعددية الدينية في سوريا القديمة، مما يشير إلى أن الأرض السورية كانت دوما مسرحا للتفاعل الحضاري، وليست ساحة صراع.
من جانب آخر، تُظهر التجربة السورية الحديثة كيف أسهم التوظيف السياسي للدين في تقويض التماسك الوطني. فالدين الذي كان يمكن أن يكون مصدرا للروحانية والتوجيه الأخلاقي، أصبح في بعض الأحيان أداة للهيمنة السياسية. هذه الهيمنة الدينية في السياسة أسهمت في زيادة الانقسامات الطائفية والمذهبية في المجتمع السوري، مما جعل من الصعب بناء دولة مدنية تقوم على أساس العدالة والمساواة. وهذه لممارسات أصبحت اليوم أكثر خطورة من السابق مع انتهاج سياسة بناء البلد بلون واحد متجانس في الشكل.
يعبر مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" عن ضرورة إرساء دولة مدنية محايدة دينيا، تضع مصلحة المواطنين فوق التفرقة الدينية والطائفية. هذا المبدأ يوفر إطارا قانونيا يتعامل مع الجميع كمواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، بعيدا عن أي تمييز ديني أو طائفي. وفقا لهذا المبدأ، تبقى الدولة محايدة تجاه الدين، مع احترام حقوق الأفراد في ممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
و المبدأ المذكور لم يكن غريبا على الفكر السوري القديم، حيث كان جزءا من الهوية السياسية والثقافية للبلاد. فقد ذكر الفقيه ابن قتيبة الدينوري في القرن التاسع الميلادي: "الدين ما وقر في القلب وصدقه العمل، والوطن ما آواك وآنت له". هذه الفكرة تؤكد أن الوطنية ليست مرتبطة بمذهب ديني، بل بالعدالة والمساواة بين جميع المواطنين. وفي بداية القرن العشرين دعا المفكر السوري عبد الرحمن الكواكبي إلى فكرة الدولة المدنية القائمة على العدالة والمساواة. وكذلك، وفي العقود الأخيرة، تبنّى العديد من الأكاديميين السوريين مبدأ فصل الدين عن السياسة كأساس لمشروع وطني ديمقراطي. من بين هؤلاء المفكرين كان كمال أبو ديب الذي طور رؤية فلسفية عميقة للهوية السورية تقوم على التعددية والانتماء المدني. ومن خلال أعماله النقدية، ويؤكد في "إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة" (2000)، أن التعددية الدينية هي أحد أسس المجتمعات الحديثة، ويشدد على ضرورة أن تكون الدولة محايدة دينيا، بما يعزز من المساواة بين المواطنين، وأيضا من خلال كتابه "الفكر النقدي العربي الحديث" (2011) يطرح رؤية نقدية حول العلاقة بين الدين والسياسة في العالم العربي، مُشددا على ضرورة أن تكون الدولة محايدة دينيا، لضمان عدالة اجتماعية تحقق المساواة بين جميع أفراد المجتمع بعيدا عن التدخلات الدينية في السياسة. ويرى أن فصل الدين عن الدولة هو السبيل الوحيد لتحقيق العدالة والمساواة في المجتمع العربي. وفي هذا السياق، يبرز الشاعر والمفكر أدونيس الذي دعا في مشروعه الشعري والنقدي إلى "قراءة النصوص قراءة جديدة"، مؤكدا على أهمية التعددية في بناء الهوية الوطنية.
من الواضح أن التداخل بين الدين والسياسة قد أدى إلى تفاقم الأزمة في سوريا، وضرورة البحث عن حلول تضمن تعزيز العدالة والمساواة وتخفف من الانقسامات الطائفية. إن مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" يمثل الحل الأمثل لبناء دولة مدنية تقوم على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز ديني أو طائفي، مع ضرورة وجود إرادة سياسية حقيقية لتطبيق هذا المبدأ في جميع جوانب الحياة السياسية والاجتماعية.
ثمة سؤال يطرح نفسه وبإلحاح إن كان لسوريا أن تحتضن هذا المبدأ؟ وإذا كان التحدي الحقيقي يكمن في تطبيق مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" في سوريا، فإن الإجابة تكمن في إرادة الشعب السوري وتفهمه لهذا المبدأ وطلاقه الفكري من السلوكيات والتوجهات السياسية التي لا تخدم البلد وإدراكه أن تماسك الجميع واحترام مبادئهم وعقائدهم وأثنياتهم هو الأساس وأن تجسيد مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" يعكس تطلعا لبناء هوية وطنية متجددة، هوية تتسع للجميع بغض النظر عن دينهم أو طائفتهم، وتؤسس لدولة مدنية تحترم حقوق الجميع.
لابديل عن استعادة روح سوريا المتسامحة، برغم كل الجراح، تلك الروح التي عبر عنها مفكروها وأدباؤها عبر العصور. مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" ليس غريبا عن تاريخ سوريا، بل هو جزء من تراثها الذي نادى به المثقفون السوريون في مواجهة الاستبداد والطائفية. هذا المبدأ ليس حلما مستحيلا، بل هو سبيل لبناء وطن يتسع للجميع دون تمييز، وينبني على قيم العدالة والمساواة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(ملاحظة: هذه المقالة هي محاكاة أكاديمية تستند إلى أفكار هؤلاء كما هي معروفة في *
public domain، وليست اقتباساً حرفياً من نص محدد في جميع الحالات).
مراجع:
1. كمال أبو ديب، الفكر النقدي العربي الحديث، 2011.
2. كمال أبو ديب، إشكاليات الثقافة العربية المعاصرة، 2000.
3. كمال أبو ديب، الهوية والاختلاف: نحو فهم جديد للثقافة العربية، 2003.
4. صادق جلال العظم، نقد الفكر الديني.
5. محمد جمال باروت، محاضرة: "الدولة والطائفة في التاريخ السوري". جامعة دمشق، 2010.
6. نزار قباني، قصائد حب وحرب، 1985.
7. أدونيس، الثابت والمتحول: بحث في الإبداع والاتباع عند العرب.
8. فراس السواح، آرام دمشق وإسرائيل: الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم، 1989.
9. عبد الرحمن الكواكبي، أمّ القُرى، 1902.
10. ابن قتيبة الدينوري، عيون الأخبار، تحقيق: أحمد محمد شاكر. القاهرة: دار الكتب المصرية.
11. ميشيل سورا، العلويون: التاريخ والمصير، بيروت: دار الساقي، 1989.
12. فواز طرابلسي، الحرية والمساواة في الفكر العربي المعاصر، بيروت: دار الطليعة، 2004.
13. سامي الجندي، العلمانية والمواطنة في الفكر العربي، دمشق: دار الحوار، 2010.
14. عبد الفتاح ماضي، الهوية الوطنية السورية، دمشق: دار الفكر، 2002.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. 17-As He raised up among them a messenger / Aali-Imran / 16
.. محلل سياسي: اختطاف قيادي الجماعة الإسلامية رسالة إحراج للجيش
.. إبستين تدرب على إيدين إيهود باراك وتلقى تمويلات من الموساد ا
.. استهدافات إسرائيلية جنوبي لبنان والجماعة الاسلامية تدين خطف
.. راعى كنيسة الاقباط الكاثوليك بالغردقة يعلق فانوس رمضان على ا