الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الدور التركي في سوريا: بين الفوضى الممنهجة وتوسيع النفوذ
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 10 / 26
الارهاب, الحرب والسلام
لقد لعبت تركيا دورًا سلبيًا للغاية في مجريات الأحداث السورية، وخاصة بعد سقوط النظام البائد، ولا سيّما في ظل ما يُسمّى بـ"الحكومة السورية المؤقتة" التي تحوّلت إلى أداة بيد أنقرة لتنفيذ أجنداتها الإقليمية الخاصة. فبدلًا من أن تكون عامل استقرار، أصبحت السياسة التركية أحد أبرز أسباب استمرار الفوضى وتعميق حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا.
لقد سبق و جاءت العمليات العسكرية التركية تحت مسمّيات “درع الفرات” و“غصن الزيتون” و“نبع السلام” لتكشف بوضوح أن الهدف الحقيقي منها لم يكن مكافحة الإرهاب كما تدّعي أنقرة، بل ترسيخ واقع احتلال جديد وتهديد ما تبقّى من توازن واستقرار في البلاد. فقد استغلت تركيا الانقسامات الداخلية السورية، ولعبت بمهارة على وتر العاطفة والوصاية المزعومة على الشعب السوري، بينما كانت تسعى في حقيقة الأمر إلى تحقيق مصالحها القومية والاقتصادية على حساب وحدة الأراضي السورية ومستقبلها السياسي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
لماذا لم تطالب "السلطة المؤقتة" بانسحاب القوات التركية من المناطق التي احتلتها؟ ولماذا تتجاهل ما تفرضه أنقرة هناك من إجراءات تمسّ السيادة الوطنية؟ فقد فرضت تركيا عملتها في التداول داخل تلك المناطق، واعتمدت لغتها رسميًا في المدارس، ورفعت أعلامها فوق المباني الحكومية، في مشهد يعبّر عن هيمنة كاملة تتجاوز مجرد النفوذ العسكري. ومع ذلك، تلوذ الحكومة المؤقتة بالصمت، وكأنها لا ترى ما يجري على الأرض من انتهاك واضح للسيادة السورية.
إن جوهر التحرك التركي لا يقتصر على إضعاف القوى المحلية، بل يمتد إلى محاولة إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في روج آفا كردستان، تمهيدًا لتحويل الشمال السوري إلى منطقة نفوذ دائمة، أشبه بولاية تركية جديدة من حيث الكثافة السكانية، والنفوذ الاقتصادي، والمشاركة في مشاريع الإعمار والإسكان التي تُقدَّم في إطار دعائي واحتفالي يخدم صورة تركيا أمام العالم. وبهذا تسعى أنقرة إلى إنعاش اقتصادها المنهك عبر السيطرة على الموارد النفطية والممرات التجارية الحيوية داخل الأراضي السورية.
كل المؤشرات الميدانية والسياسية بعد تراجع سلطة النظام أظهرت أن تركيا تعاملت مع الأزمة السورية بوصفها فرصة ذهبية لتوسيع نفوذها الإقليمي. حتى بدا أن صعود “الجولاني” في الشمال السوري لم يكن إلا نتيجة مباشرة للدعم التركي غير المعلن، إذ تحوّل الرجل إلى أداة بيد الاستخبارات التركية، تُحرّكه بما يخدم مصالح أنقرة، لا بما يتماشى مع متطلبات الواقع السوري أو تطلعات الشعب السوري في الحرية والديمقراطية.
أما السؤال الأهم اليوم فهو:
ماذا لو انهارت قوات سوريا الديمقراطية فعلاً، أو تم دمجها نهائيًا ضمن الجيش السوري كأفراد لا ككتلة تنظيمية مستقلة؟
إن تحقق هذا السيناريو، فسيؤدي بلا شك إلى فوضى أمنية شاملة وانفلات خطير في عموم البلاد، وربما إلى اندلاع حرب أهلية جديدة. إذ سيعني ذلك فتح السجون التي تضم آلاف مقاتلي تنظيم "داعش"، وإعادة تنشيط الخلايا الإرهابية النائمة في مختلف المناطق السورية، ما سيقود إلى موجة جديدة من الإرهاب والمجازر، واستهداف المدنيين دون تمييز، فضلاً عن نزوح مئات الآلاف من السكان في مشهد إنساني كارثي.
وسينعكس هذا الانهيار بشكل مباشر على النسيج الاجتماعي السوري، مُضعفًا البنية السياسية والاقتصادية والثقافية، ومُفقدًا السوريين أي تمثيل حقيقي في المحافل الدولية. كما سيؤدي إلى تغيير ديمغرافي واسع في المناطق الكردية قد يمتد تأثيره إلى الساحل والسويداء، في ظل غياب المؤسسات المدنية والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء وخبز ورعاية صحية، مما يجعل الحياة اليومية شبه مستحيلة.
وفي ظل هذا الواقع، ستبقى الفصائل المسلحة الموالية للاستخبارات التركية صاحبة الكلمة العليا في القرارين الأمني والسياسي داخل سوريا، بينما ينتشر الفقر والبطالة والجوع والتشريد في كل مكان. فكل سلطة لا تحمي حرية المواطن وكرامته، تتحوّل بالضرورة إلى سلطة طاغية.
وفي المحصّلة، يمكن القول إن المشروع الوطني المتكامل الذي تمثله قوات سوريا الديمقراطية، رغم كل التحديات، يبقى ضرورة وطنية لا يمكن الاستغناء عنها، مقارنة بمشروع “الجولاني” الطائفي الهش، القائم على التبعية والفوضى ولون واحد، وغير القابل للتطور أو القبول الدولي.
فما بين مشروع وطني يسعى لبناء مؤسسات مدنية ديمقراطية مستقرة، ومشروع ظلامي قائم على الولاءات والانقسام والتبعية، يبقى الخيار واضحًا أمام كل من يضع مصلحة سوريا وشعبها فوق أي اعتبار آخر.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. يوم -خارج البروتوكول- لماكرن في المحطة الأخيرة من زيارته إلى
.. أكبر مشترٍ للأسلحة الروسية... الهند تفرش السجاد الأحمر للرئي
.. هل تمهد زيارة وفد مجلس الأمن لعملية عسكرية في لبنان؟ | #التا
.. مراسل الجزيرة: غارات وقصف مدفعي على المناطق الشرقية داخل الخ
.. ارتفاع حالات التشوّه الخلقي النادر بين المواليد في غزة