الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ثلاث خطوات تاريخية وخيارات تركيا: هل تلتزم أنقرة بحقوق الأكراد؟
حجي قادو
كاتب وباحث
(Haji Qado)
2025 / 10 / 26
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
في ربيع عام 2025، شهد الصراع الطويل بين حزب العمال الكُردستاني (PKK) والدولة التركية منعطفًا استراتيجيًا غير مسبوق قد يغيّر وجه المنطقة بأكملها. فقد أقدمت قيادة الحزب منذ شهري آذار/مارس وأيار/مايو الماضيين على ثلاث خطوات مصيرية شكّلت تحولًا جذريًا في نهجه السياسي والعسكري:
أولًا: حلّ البنية التنظيمية للحزب بأمر مباشر من القائد عبدالله أوجلان المعتقل في سجن إمرالي.
ثانيًا: إعلان نية إلقاء السلاح ووقف الكفاح المسلّح ضدّ الحكومة التركية.
ثالثًا: سحب المقاتلين من أراضي كردستان تركيا نحو عمق إقليم كردستان الجنوبي (العراق) كخطوة تهدف إلى تفادي الاحتكاك المباشر مع القوات التركية.
هذه الإجراءات وُصفت من قبل المراقبين بأنها انتقالٌ تاريخي من خيار الحرب والسلاح إلى خيار السياسة والدبلوماسية والسلام. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو:
ما المقابل الذي قدّمته تركيا لقاء هذا التنازل الكبير من قبل الحزب؟
وما الضمانات السياسية والدستورية التي يمكن أن تضمن للشعب الكُردي حقوقه القومية المشروعة في الدولة التركية؟
حتى اللحظة، تبدو أنقرة مترددة في تقديم أي تنازلات جوهرية أو إطار دستوري واضح يكفل الاعتراف بالهوية الكُردية وحقوقها الثقافية والسياسية. وفي المقابل، أظهرت قيادة الـPKK حسن نيةٍ واضحًا بتقديم فرصة تاريخية لتسوية سياسية حقيقية، لو تم توجيهها ضمن مسار قانوني وسياسي فعّال يضمن استمرارية السلام.
لكن لا يمكن قراءة هذا التحول دون التوقف عند ثمن الدماء الذي دفعه الشعب الكُردي طوال أكثر من أربعة عقود من الكفاح المسلّح، حيث سقط عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى، وامتلأت السجون التركية بآلاف المعتقلين السياسيين الذين ناضلوا من أجل العدالة والمساواة.
لذلك، فإن أي حلٍّ دائم وعادل يتطلب من الدولة التركية تعهدات واضحة وملموسة، تتمثل في:
الاعتراف الدستوري بالهوية القومية الكُردية داخل تركيا.
إقرار اللغة الكُردية كلغةٍ رسمية ثانية إلى جانب التركية في المناطق ذات الغالبية الكُردية.
تمكين سياسي حقيقي للكُرد عبر مشاركة فاعلة في مؤسسات الدولة والبرلمان.
إصلاحات تشريعية ودستورية تضمن مساواة المواطنين في الحقوق والواجبات، لا في الخطاب فقط بل في الممارسة الفعلية.
دون هذه الضمانات، ستبقى خطوة حل الحزب وإلقاء السلاح ناقصة وربما هشّة، قابلة للانهيار عند أول اختبار سياسي أو أمني.
ويبقى السؤال الأكبر:
هل ما يجري هو بداية لمرحلة توافق وطني تركي–كُردي تفتح الباب أمام دمج الطاقات الكُردية الأكاديمية والسياسية في العملية الديمقراطية التركية؟
أم أن ما يحدث مجرد تكتيك مؤقت يهدف إلى خفض مستوى العنف دون أي نية حقيقية لإحداث تغيير هيكلي في بنية الدولة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تعتمد كليًا على نوايا أنقرة العملية:
هل ستحوّل هذه المبادرة الكُردية إلى عملية سلام مستدامة بضمانات قانونية واضحة؟
أم أن كل هذه التضحيات ستُقابل ببيانات إعلامية وشعارات سياسية فارغة؟
لنجاح أي انتقال من مرحلة السلاح إلى مرحلة السياسة، لا بدّ من توافر ثلاثة عناصر رئيسية:
1. المصداقية المتبادلة: لا يمكن لأي عملية سلام أن تنجح دون وجود برنامج نزع سلاح واضح ومضمون قانونيًا، بإشراف دولي أو محلي موثوق.
2. تمكين المجتمع الكُردي المدني والسياسي: فخبرة العقود الماضية يجب أن تُترجم إلى طاقات مدنية وأكاديمية تُشارك في بناء مستقبل مشترك داخل تركيا.
3. مناخ سياسي وأمني مستقر: إذ إن استمرار خطاب الكراهية والعنصرية والتمييز سيقوّض أي محاولة للتفاهم، ويعيد الصراع إلى المربع الأول.
في الختام، يُعدّ القرار الذي اتخذه حزب العمال الكُردستاني خطوة جريئة وتاريخية تحمل في طياتها فرصة نادرة لتجاوز أربعة عقود من الدم والعنف، إذا ما تلاقت مع إرادة تركية صادقة للإصلاح السياسي والدستوري.
أما إذا بقيت المبادرة أحادية الجانب، من دون ضمانات دستورية ومؤسساتية واضحة، فلن تكون سوى هدنة هشة قد تنهار في أي لحظة إذا شعر الأكراد بأن حقوقهم أُقصيت مجددًا عن طاولة الحل.
إن الكرة اليوم في ملعب الحكومة التركية؛
فإما أن تُحوّل هذا التنازل التاريخي إلى حجر أساس لبناء سلام عادل ودائم،
وإما أن تبقي ساحات النضال مفتوحة على مصراعيها أمام شعبٍ يرى أن السلام لا يمكن أن يقوم على حساب كرامته وحقوقه المشروعة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بريطانيا.. انتهاء جلسات المحكمة العليا بشأن مراجعة قرار الحك
.. مجلس الأمن يؤكد تضامن المجتمع الدولي مع سوريا
.. مكالمة مسربة.. ماكرون حذر من -احتمال خيانة واشنطن لكييف-
.. الشعلة الأولمبية لميلانو-كورتينا 2026 تصل إلى روما
.. «ازاديا» تفتتح الفرع الرابع لـ«بول كافيه» في مجمع الافنيوز ا