الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
محمد وهاب عبود
2025 / 10 / 26مواضيع وابحاث سياسية
د. محمد وهاب عبود
تحبس الأوساط العالمية أنفاسها وتتجه الأنظار صوب الشمال البارد في كل خريف، حيث يُكشف الستار عن أسماء قلة ستنال شرف الانضمام إلى "نادي العباقرة" من حاملي جائزة نوبل. الكرنفال السنوي الذي يحتفي بعبقرية العقل البشري، لكن ما إن ينقشع غبار الاحتفالات، حتى تتعالى همسات نقدية تتساءل، هل هذا البريق الذهبي حقيقي، أم يخفي وراءه شبكة معقدة من السياسة ورؤية للعالم تتمركز بعناد حول ذاتها في الغرب؟
وُلدت الجائزة من رحم مفارقة؛ فألفريد نوبل، "تاجر الموت" الذي جمع ثروته من الديناميت، أراد في وصيته أن يكفّر عن قوة اختراعه التدميرية عبر مكافأة من يقدمون "أعظم فائدة للبشرية". كانت رؤية عالمية مثالية تتجاوز الجنسيات والقوميات. ولكن، بعد أكثر من قرن، يبدو أن الواقع قد انحرف عن مسار الحلم، وتحولت الجائزة، خاصة في مجالي السلام والأدب، إلى أداة جيوسياسية ناعمة، ترسّخ هيمنة فكرية ومعيارية غربية. (الولايات المتحدة وحدها حصدت نحو 56% من الجوائز، مقابل قارة آسيا 5 %)
إن الانتقادات الموجهة لوجود تأثيرات سياسية ليست مجرد تخمينات. فكيف يمكن تفسير منح جائزة السلام لهنري كيسنجر عام 1973 بينما كانت القنابل الأمريكية لا تزال تمطر على فيتنام؟ أو منحها لباراك أوباما عام 2009 بعد أشهر قليلة من توليه الرئاسة، في خطوة بدت أقرب إلى التشجيع السياسي منها إلى تكريم إنجاز متحقق. هذه القرارات وغيرها تظهر أن لجنة أوسلو لا تكتفي بتكريم صانعي السلام، بل تحاول أحيانًا أن تصنع السلام بنفسها وفقًا لرؤيتها، مما يحولها إلى لاعب سياسي يقوض مصداقيتها كحكم محايد.
هذه النظرة الغربية لا تقتصر على السلام، بل تتجلى بوضوح أكبر في جائزة الأدب، التي تحولت إلى مرآة تعكس ذوق ومركزية القارة الأوروبية. فغالبية الفائزين هم من الأوروبيين والأمريكيين، مما خلق قائمة طويلة ومحرجة من العمالقة الأدبيين الذين تم تجاهلهم من الجنوب العالمي، وكأن آداب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لا ترقى إلى "المثل العليا" التي تبحث عنها الأكاديمية السويدية في ستوكهولم. إنها بوصلة ثقافية يبدو أنها عالقة، تشير بعناد نحو الشمال.
أمام هذا المجد المؤسسي، كانت هناك أصوات شجاعة قالت "لا". أبرزهم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي رفض جائزة الأدب عام 1964، لأنه لم يرد أن يتحول إلى "مؤسسة"، معتبرًا أن قبول الجائزة يقيد حريته كمثقف ناقد. كما رفضها السياسي الفيتنامي لي دوك ثو، الذي لم يقبل مشاركة جائزة السلام مع كيسنجر لأن السلام الحقيقي لم يكن قد تحقق بعد في بلاده. كان رفضهم فعل تمرد رمزي، وتحديًا لسلطة الجائزة المعنوية.
يطرح البعض فكرة إشراك الجمهور في عملية الاختيار لكسر احتكار اللجان المنعزلة. ورغم أن هذا المقترح يبدو ديمقراطيًا، إلا أنه قد يفتح الباب أمام الشعبوية وحملات التصويت المنظمة. ربما لا يكمن الحل في تصويت الجمهور، بل في المطالبة بشفافية أكبر وتوسيع قاعدة المرشِّحين والخبراء لتشمل تنوعًا عالميًا حقيقيًا يعكس ثراء التجربة الإنسانية.
لكن الإصلاح الداخلي قد لا يكون كافيًا. إن الخطوة الأكثر جذرية واستراتيجية تقع على عاتق دول الجنوب العالمي نفسها. لقد حان الوقت لأن يتوقف الجنوب عن انتظار الاعتراف من الشمال، وأن يبدأ في تأسيس جوائزه الخاصة المرموقة التي تحتفي بإنجازاته وفقًا لمعاييره ورؤاه. لا يتعلق الأمر باستنساخ نوبل، بل بخلق منصات جديدة وموازية، مراكز ثقل فكرية وثقافية وعلمية جديدة تعيد رسم خريطة الامتياز العالمي. إن استحداث جوائز كبرى في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ليس مجرد رد فعل، بل هو إعلان استقلال فكري، وتأكيد على أن العبقرية لا تتحدث لغة واحدة ولا تشرق من جهة واحدة. عندها فقط، يمكننا تحقيق التوازن المنشود، عالمٌ لا تتركز فيه الأضواء على عاصمة شمالية واحدة، بل تتلألأ فيه شموس متعددة تضيء كل زوايا الإنجاز البشري.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل جند الموساد أحمدي نجاد؟ ماذا تقول نيويورك تايمز؟ وماذا قا
.. حرائق فونتنيبلو قرب باريس تحت السيطرة.. ولكن؟ • فرانس 24
.. ليبيا: خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية؟ • فرانس 24
.. قضية توقيف علي المرابط… المغرب بين انتقادات دولية ورواية رسم
.. من قلب تكساس.. كيف احتفلت الجماهير الإسبانية بالإطاحة بفرنسا