الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حكمة الصخر ورنين الروح: في مقام الكينونة الكوردية ونداء السلام

بوتان زيباري

2025 / 10 / 28
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير


إنّ جبال كوردستان الشمّاء، التي احتضنت صخرَ الوعي القوميِّ، لتُرسل اليومَ صدىً متأرجحاً بين عتمةِ الإنكارِ وضياءِ الإقرارِ بقضيّةٍ ضاربةٍ في عمقِ الأزمنة، ليست محضَ صراعٍ عابرٍ بل سجالُ وجودٍ وكينونة. فما مجرّدُ جلوسِ الساسةِ على مائدةِ الحوارِ، ومناجاةُ رموزِ هذا الحِراك، إلاّ إزاحةٌ لحجبٍ سدلتها عُقودٌ من الجمودِ القاتلِ وضغطِ التاريخِ الراسخ. لقد ثبتَ هذا الشعبُ الأبيُّ، فما اهتزَّ كيانُه ولا انحلَّ نسيجُه، بل زادَ تبلوراً وتأصيلاً، وأصبحَ الوعيُ القوميُّ جليًّا كالشمسِ في رابعةِ النهار.

والآنَ، يقفُ الرَّكبُ السياسيُّ على مفترقِ طريقٍ لا يحتملُ التلكؤ؛ فإما استمرارُ المنهجِ القمعيِّ حتى تبلغَ الروحُ أقصى مناها من الانفجار، وإما السعيُ الحثيثُ نحو حلٍّ يُجذّرُ الحقَّ ويُسْكِنُ القلوبَ الثائرة، وإنْ ظلَّ الإقرارُ الجوهريُّ بحقِّ الكيانِ الوطنيِّ محجوبًا وراءَ حجابِ العنادِ التاريخيِّ. فلقد زعمَ البعضُ أنّ القضيةَ لبسٌ إرهابيٌّ؛ وهي مغالطةٌ بيّنةٌ، فالسلاحُ ما كان إلاَّ عَرَضَ داءٍ قديمٍ، منبثقٍ من غيابِ شرعيةِ الوجودِ وحقوقِه القوميةِ الضائعةِ في منعطفاتِ القرنِ العشرينَ. كما أنّ التنصّلَ من مسؤوليةِ تجزئةِ كوردستانَ ورميَها على عاتقِ مؤامرةٍ خارجيةٍ صهيونيةٍ إمبرياليةٍ، هو تبريرُ العاجزِ ومنحى الرافضِ لنتائجِ تحالفاتِ النشأةِ الاستعماريةِ للدولةِ. أما الهروبُ إلى مظلّةِ "وحدةِ الأمةِ" فهو خيمةٌ لا تتسعُ لعمقِ الأبعادِ الوطنيةِ المتمايزة؛ فالحقيقةُ الكبرى تكمنُ في إرساءِ "الأخوةِ الديمقراطيةِ" التي لا تُقامُ إلا بدمقرطةِ تركيا والمجتمعِ التركيِّ ذاتِه، أسوةً بتجاربَ عالميةٍ اعترفت بحقوقِها القوميةِ ضمن إطارٍ ديمقراطيٍّ عادل.

إنَّ الحِراكَ السياسيَّ الأخيرَ، الذي انبعثَ في خريفِ عامِ 2024، يتجاوزُ حدودَ صناديقِ الاقتراعِ وأحكامَها، ليطرحَ السؤالَ الفلسفيَّ العميق: كيف لتركيا، بتركيبتِها غيرِ الديمقراطيةِ، أن تُفضي إلى حلٍّ لمسألةٍ وجوديّةٍ بهذهِ العِظمَة؟ فكلُّ المراجعاتِ الذاتيةِ، من حاجةِ حزبِ الشعبِ الجمهوريِّ إلى التطهيرِ من تاريخِ العنفِ والإنكارِ ليصبحَ مفتاحًا لدمقرطةِ البلادِ بأسرِها، إلى مستقبلِ حزبِ العدالةِ والتنميةِ المُرتهنِ لحساسيةِ الناخبِ الكورديِّ المائلِ نحو اليسارِ والديمقراطيةِ بعيداً عن خطابِ الأمةِ والشريعة، كلُّها مؤشراتٌ لضرورةِ التغييرِ الهيكليِّ. ويبقى لغزُ الحركةِ القوميةِ المتطرفةِ، التي أطلقت شرارةَ الحوارِ من منطلقِ الخوفِ لا الحقِّ، هو ما جعلَ القضيةَ الكورديةَ في صميمِ الحياةِ السياسيةِ التركيةِ.

وفي خضمِّ هذا الوهنِ البنيويِّ والفسادِ المُتغلغلِ في المنظومةِ، ومع تفاقمِ الأزماتِ الاقتصاديةِ واضطرابِ السياسةِ الخارجية، لاحَ في الأفقِ نداءُ السلامِ والمجتمعِ الديمقراطيِّ، ليُعلنَ أنَّ عهدَ الكفاحِ المسلحِ قد ولّى بتبدُّلِ الظروفِ وتجذُّرِ الهويةِ بالفنِّ والأدبِ، وليقرنَ مصيرَ القضيةِ بالدمقرطةِ الشاملةِ لتركيا. فالمسألةُ الكورديةُ، خلافًا لآيرلندا وكولومبيا، هي قضيّةٌ عابرةٌ للحدودِ، و"روج آفا" أصبحت القلبَ النابضَ لكوردستانَ في هذا الزمنِ الضبابيِّ. لذا، فإنَّ الأولويةَ القصوى اليومَ هي ضمانُ مستقبلِ "روج آفا" والاعترافُ بوضعِها، فهذا الاعترافُ هو إقرارٌ ضمنيٌّ بشرعيةِ القضيةِ الكورديةِ في كلِّ أجزائِها، وهو المفتاحُ الذي سيفتحُ سائرَ الأبواب. ويبقى التهديدُ التركيُّ المستمرُّ ومخاطرُ دفعِ دمشقَ للهجومِ على "روج آفا" في هذا التعقيدِ الإقليميِّ والدوليِّ، ما يجعلُ "الميثاقَ الملّيَّ" مجرّدَ بلاغةِ انتقامٍ لا يتحولُ إلى فعلٍ إلا بوضوحِ التحالفاتِ وتوفُّرِ أسبابِ التنفيذ، الأمرُ الذي يفرضُ لزومَ التأملِ والحكمةِ في كلِّ خُطوةٍ، ليتغلبَ صوتُ العقلِ على رنينِ السلاحِ، وتترنّمَ الروحُ الحُرَّةُ في محرابِ الأزمان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. العراق.. مواطن يقدم ابنته هدية لفض إشكال عشائري


.. عام على سقوط النظام السابق في سوريا… ماذا تغيّر؟ | #الظهيرة




.. محمد صلاح يخرج عن صمته ويعلق على تعادل ليفربول مع ليدز يوناي


.. أبرز محطات المشهد السوري خلال عام على سقوط نظام الأسد




.. مفاتيح دمشق | كيف تفاعلت عواصم العالم مع سقوط نظام الأسد في