الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
هل من الممكن رفع الكفاءة التشغيلية في وزارة النفط ؟
عامر عبد رسن
2025 / 10 / 28الادارة و الاقتصاد
في مؤتمر صحفي عُقد ببغداد مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2025، أعلن وزير النفط أن قدرة العراق الإنتاجية تبلغ 5.5 ملايين برميل يومياً، وأن الصادرات الفعلية تقارب 3.6 ملايين برميل يومياً،
مؤكداً التزام العراق بحصته في منظمة “أوبك”.
لكن ما لم يُشر إليه الوزير – وهو ما يستحق التوقف عنده – أن أكثر من 85٪ من هذا الإنتاج تنفذه شركات أجنبية عبر عقود خدمة ومشاركة،
في حين لا تتجاوز مساهمة الوزارة وشركاتها الوطنية 14٪ من مجمل النفط المنتج والمصدّر.
هذه المفارقة الرقمية لا تتعلق بحصة أوبك ولا بمستوى الأسعار، بل بكفاءة الأداء الوطني داخل وزارة النفط نفسها: أين ذهبت القدرة التشغيلية المحلية؟
ولماذا لم تتحول الوفرة في الإيرادات إلى زيادة في الإنتاج الوطني المباشر؟
من هنا تأتي أهمية إعادة طرح هذا الملف، لا بنية اللوم، بل بنَفَس إصلاحي يستعيد للوزارة مكانتها ودورها كجهة إنتاج لا مجرد جهاز إشراف وتمويل .
رغم ما يعتري قطاع النفط من تحديات بنيوية، ما زال العراق يمتلك فرصة حقيقية لاستعادة زمام المبادرة الإنتاجية،
فثروته النفطية ليست مجرد مصدر دخل، بل رأسمال وطني يمكن أن يكون مدرسة لتصنيع الكفاءة.
وإذا نجحت وزارة النفط في توجيه إمكانياتها المالية والبشرية نحو بناء قدرات تشغيلية حقيقية،
فإنها لن ترفع فقط نسبة الإنتاج الوطني، بل ستعيد تعريف السيادة الاقتصادية بمعناها العملي: السيادة التي تُقاس بالكفاءة لا بالشعارات .
• أرقام لامعة… تكشف ظلاً من القصور ؛
فلا خلاف أن العراق يعيش وفرة نفطية تُحسد عليها الأمم.
فخلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، تجاوزت صادراته 918 مليون برميل، محققة أكثر من 48 مليار دولار من الإيرادات، بحسب شركة تسويق النفط (سومو).
لكن خلف هذه الأرقام الزاهية تختبئ معادلة مقلقة: وزارة النفط، رغم ميزانيتها العملاقة وكوادرها الفنية، لا تساهم إلا بنسبة تقارب 14٪ من الإنتاج الكلي.
أي أن نحو 86٪ من النفط العراقي يُنتج فعلياً عبر الشركات الأجنبية المتعاقدة، ضمن عقود الخدمة والمشاركة، في حين تكتفي الوزارة وشركاتها الوطنية بالإشراف والمراقبة.
• أين الخلل في الداخل ؟ لا في الخارج :
ليس في الأمر لومٌ على الشركات الأجنبية، فهي تعمل ضمن اتفاقات واضحة وتؤدي دورها الفني بكفاءة.
لكن المشكلة في أن الوزارة لم تبنِ، منذ أكثر من عقد، خطة جادة لتحويل هذه العقود إلى رافعة لبناء قدرة وطنية تشغيلية.
لقد تحوّلت الشركات الوطنية إلى “جهات متابعة” بدلاً من أن تكون “جهات منتجة”،
بينما بقيت الملفات الإدارية والمالية تستهلك الجهد الأكبر على حساب التطوير الفني والتكنولوجي.
لقد حوّلنا الحقول إلى مدارس مفتوحة للعالم، لكن لم نخرّج منها جيلاً عراقياً يقودها.
• وزارة النفط: إمبراطورية مالية بفاعلية تشغيلية محدودة ؟ :
من غير المعقول أن تكون وزارة النفط العراقية – بما تمتلكه من تمويل ومعدات وهياكل بشرية – مسؤولة عن أقل من سدس الإنتاج الوطني المصدر.
فالحقول الكبرى التي تضخ عصب الاقتصاد العراقي تدار اليوم بواسطة فرق أجنبية تعمل وفق عقود خدمة فنية، في حين بقيت الشركات الوطنية عاجزة عن تشغيل مشاريع جديدة أو رفع طاقتها الإنتاجية المستقلة.
إن ما نواجهه ليس نقصاً في الأموال ولا قلة في الرغبة، بل ضعف هيكلي في إدارة الكفاءة، وتراكم البيروقراطية، وانكماش المبادرة الميدانية داخل الشركات التابعة للوزارة.
وكلما طال هذا الوضع، كلما ازدادت فجوة الخبرة والاعتماد الخارجي.
• ما هي الحجة حين تتحدث الأرقام بوضوح ؟ ؛
بلغ مجموع الصادرات لعام 2024 نحو 1.25 مليار برميل، وهو المستوى نفسه تقريباً الذي يتحقق هذا العام.
لكن في المقابل، لم تتغير النسبة الوطنية في الإنتاج: بقيت الوزارة بحدود 14٪ رغم استقرار أو ارتفاع حجم التصدير.
أي أننا زدنا الكمية، لكن لم نرفع الكفاءة الوطنية.
تحسّنت الإيرادات، لكن لم يتحسن وزن الوزارة في معادلة التشغيل.
وهذه مفارقة خطيرة: دولة غنية تنتج نفطها بتمويلها وسيادتها، لكنها لا تملك “أيديها التشغيلية” في معظم الحقول.
• ماهو الطريق إلى استعادة الدور الوطني ؛
أن إصلاح هذا الخلل لا يعني إلغاء العقود الأجنبية ولا الصدام مع المستثمرين،
بل المطلوب إصلاح البيت الداخلي للوزارة بحيث تتحول من “مراقب” إلى “مشغّل”، ومن “جهة اعتماد” إلى “جهة إنتاج”.
ولتحقيق ذلك، أطرح أربعة ركائز أساسية:
1. بناء القدرات الوطنية الميدانية :
إطلاق برنامج وطني لتطوير الكفاءات التشغيلية داخل الشركات التابعة للوزارة،
يركز على إدارة المكامن، الحفر، المعالجة، والتسويق، عبر شراكات تدريبية مباشرة مع الشركات العالمية العاملة في العراق.
ليس المطلوب زيادة أعداد الموظفين، بل تحويل الكوادر الحالية إلى فرق تشغيل حقيقية تدير حقولاً بإشراف عراقي كامل خلال خمس سنوات.
2. تحفيز الكفاءة لا التكدّس:
إعادة تصميم الهياكل الإدارية بحيث تكون الحوافز مرتبطة بالإنتاج والكفاءة لا بالرتب والمناصب.
وزارة بهذا الحجم يجب أن تعمل بمنهج شركات كبرى، لا كجهاز حكومي تقليدي.
الخبرة الفنية يجب أن تتقدم على التسلسل الوظيفي، والقرار الميداني يجب أن يُمنح للمهندس المنتج لا للموظف الجالس خلف المكتب.
3. شراكات إنتاجية لا استشارية:
دعوة الشركات العالمية الكبرى (شيفرون، إكسون موبيل، توتال، بي بي…) إلى الدخول في مشاريع شراكة إنتاجية وتكنولوجية جديدة مع شركاتنا الوطنية،
بحيث تكون الغاية نقل الخبرة وبناء القدرات، لا الاكتفاء بدفع أجور خدمة.
الشراكة يجب أن تُبنى على “العقل والتكنولوجيا” لا على “المال فقط”.
4. ربط الحوافز والمكافآت بالإنتاج الفعلي والكفاءة التطويرية:
تحتاج مجالس إدارات شركات الاستخراج الوطنية إلى تحويل نظام الحوافز والمكافآت السنوية من صيغةٍ إداريةٍ تقليدية إلى أداةٍ تحفيزية مرتبطة مباشرة بالأداء الإنتاجي والتطوير المهني.
فوفق قانون الشركات العامة، تُصرف مبالغ كبيرة سنوياً كمكافآت دون أن تعكس تحسّناً ملموساً في كفاءة التشغيل أو زيادة الإنتاج.
المطلوب أن تُربط المكافآت بنسبة الزيادة في الإنتاج، ونوعية التطوير في أداء الكوادر، ومؤشرات الكلفة التشغيلية،
ليتحوّل نظام المكافآت من عبء مالي إلى رافعة أداء تدفع كل مستوى إداري نحو هدفٍ مشترك: [رفع الإنتاج الوطني وتقليص الاعتماد الخارجي].
• خطة العشر سنوات: من 14٪ إلى 50٪ :
يمكن للعراق أن يرفع إنتاجه الوطني ضمن معدلات الانتاج العام تدريجياً من 14٪ إلى 50٪ خلال عقد واحد، عبر خطوات عملية:
• تدريب 500 مهندس وطني سنوياً على تقنيات الاستخلاص المعزز (EOR) وإدارة المكامن المعقدة.
• تسليم إدارة حقول متوسطة الحجم إلى الشركات الوطنية بإشراف مشترك لمدة ثلاث سنوات فقط، ثم استقلال تام.
• إطلاق مركز وطني للمياه والغاز المرافق لتطوير تقنيات الاستخلاص وخفض الفاقد.
• اعتماد مؤشر شفاف شهري يُظهر نسبة الإنتاج الوطني من الإجمالي، بحيث تخضع الوزارة للمساءلة على هذا الأساس.
• لا يقع اللوم هنا: على الوزارة ولا على المستثمر ؛
فالشركات الأجنبية لم تُخطئ حين أدت دورها، بل الوزارة هي التي أهملت توطين المعرفة والإدارة،
واكتفت بالتصريحات المكررة عن زيادة الإنتاج دون أن تسأل: من الذي ينتج فعلاً؟
لقد آن الأوان لأن تتحمل وزارة النفط مسؤوليتها بوصفها مؤسسة إنتاج لا مجرد مظلة تعاقدية.
الإصلاح يبدأ من الاعتراف بأن السيادة الإنتاجية غائبة، ثم تحويل ذلك إلى خطة لتصحيح المسار.
ثامناً: الخلاصة: السيادة لا تُقاس بالاحتياطي بل بالكفاءة ؛
العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي في أوبك، لكنه ما زال بعيداً عن تحقيق نصف إنتاجه بأيدٍ عراقية.
فالثروة ليست في البرميل الذي يُصدَّر، بل في اليد التي تُخرجه من الأرض.
وحتى تستعيد وزارة النفط دورها التاريخي، عليها أن تواجه الحقيقة بشجاعة:
القصور ليس في الشركات الأجنبية… بل فينا نحن، حين رضينا أن نكون متفرجين على نفطنا يُنتج بغير أيدينا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. متسابق بـ«دولة التلاوة»: المنافسة شريفة والمسابقة أيقونة لمح
.. رؤية الأمير الوالد قادت التحول الاقتصادي ورسخت مكانة قطر الع
.. قراءة اقتصادية | التوتر الأمريكي الإيراني ينعكس على أمن المل
.. الصين تزيد مشترياتها من الذهب.. فهل تنجح في بناء نظام مالي أ
.. الخامسة | ترمب يعيد حصار إيران.. واسترداد كميات ضخمة من الذه