الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين ناطحات السحاب وسحابات الدم: هل أصبح التقسيم مصيرا محتوما لسوريا؟

أكرم شلغين

2025 / 10 / 28
مواضيع وابحاث سياسية


على شاشات بعض القنوات، تُروى قصة سوريا مختلفة. قصة ناطحات سحاب تلامس الغيوم، ومشاريع مترو ضخمة، وبورصات تنافس سنغافورة. إنها رواية الدولة "العظيمة" التي تتغنى بالإعمار والازدهار. لكن على الأرض، وفي بيوت السوريين وآلامهم، تُروى قصة أخرى. قصة جوع يلتهم الأجساد، وخطف يسرق الأبناء، ومطالبات بفدية تُفرغ الجيوب وتجعل الأسر مديونة ربما للأبد، واتفاقات شيطانية بين وسطاء محليين وإقليميين لبيع الأعضاء البشرية. إنه انفصام صارخ بين "سوريا التلفاز" و "سوريا الواقع".
هذا التناقض لم يعد مجرد شكوى خافتة. لقد دفعت مجازر الساحل، وما تلاها من فظائع أكثر وحشية في السويداء، والممارسات اليومية من تهجير قسري، وتدخل سافر في التفاصيل الشخصية للأفراد من ملابس وموسيقى، وطرد الناس من بيوتهم وقراهم – دفعت كل هؤلاء الناس ليقولوا كلمة كانوا يهمسون بها خجلًا: الفيدرالية... التقسيم.
يطرح الواقع المرير سؤالًا وجوديا: هل ما يحدث هو نتيجة حكم "جهلة وبلطجية" لا يفقهون في أمور الدولة، أم أنه سياسة ممنهجة ومدروسة؟
لو كان الأمر مجرد جهل، لكان من المنطقي توقع بعض التصحيح الذاتي، أو محاولة كسب الشعب. لكن استمرار هذه السياسات على نفس النهج رغم الكوارث التي أوصلت البلاد إليها، يشير إلى منطق آخر أكثر قسوة. منطق يقوم على "الهندسة الديموغرافية" و"التطهير الطائفي المبطّن".
إن إفراغ مناطق معينة من سكانها الأصليين، وتدمير البنى التحتية بشكل منهجي (الكهرباء، الماء، الإنترنت)، وخلق واقع من الفوضى والعنف الطائفي، كلها أدوات لتحقيق هدف استراتيجي: إعادة رسم الخريطة السكانية لسوريا. عندما تُجبر فئة من الشعب على الهروب من أرضها، وتُجبر الفئة الباقية على العيش في ظل قمع مطلق وحرمان من أبسط حقوقها، فإن المطالبة بالانفصال أو الحكم الذاتي تصبح مجرد رد فعل طبيعي على فعل مسبق. النظام، عمليا، قد قسم البلاد بالفعل.

ومن هذا الركام، بدأ سؤال يطرح في البداية بصوت خافت، خجول، كأنه عار أن يُقال: هل الحل في الفيدرالية؟ أو حتى التقسيم؟
لم يعد السؤال نابعا من رغبة في الانفصال، بل من استحالة في التعايش. فكيف تعيش مع من يراك غريبا في وطنك؟ كيف تتعايش مع من لا يفهم لغة الحوار، بل يُجيب على كل سؤال برصاصة؟ كيف تبني مستقبلا مع من يرى في وجودك تهديدا لسلطته، لا فرصة لشراكة وطنية؟
البعض يقول: "التقسيم مصلحة أعداء سوريا!"
لكن السؤال الأصعب: من هم أعداء سوريا اليوم؟
هل هم من يطالبون بالحماية من القتل والنهب؟ أم من يمارسون القتل والنهب تحت مسميات متعددة؟
هل العداء يأتي من الخارج، أم أن العدو قد استوطن الداخل، وارتدى ثوب "الوطنية" ليبرر أبشع الجرائم؟ هل ما يجري سياسة مدروسة لدفع مكوّنات بعينها إلى الهجرة، ثم جعل من يبقى يطالب بالحكم الذاتي؟ أم أنّ ما نراه ليس خطة بل جهل وبلطجة تمت شرعنتها حتى باتت تبدو كأنها خطة؟ في الحالتين، النتيجة واحدة: الناس يُدفعون قسرا إلى التفكير بخيارات كانت تعتبر يوما “خيانة”… اليوم أصبحت تُناقش كخلاص....!
حقا إن السوري يقف السوري في وجه هذه السياسات بين خيارين مرين:
1. البقاء والصبر: وهو يعني القبول بانتظار الدور في دائرة الموت والبطش والسبي ومصادرة الممتلكات. إنه خيار الشهادة على الذات، لكن ثمنه قد يكون إبادة كاملة للهوية والوجود.
2. المطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي: وهو خيار النجاة بالروح والهوية من آلة القتل. لكنه يُتهم فورا من قبل البعض بأنه "خيانة" و"مؤامرة" و"خدمة لأعداء البلد".
وهنا تكمن المأساة: كيف يمكن أن تكون المطالبة بالنجاة من الموت خيانة؟ أليست حماية الإنسان لكرامته وحياته وحق شعبه في تقرير مصيره هي أعلى درجات الوطنية؟ ألم يُبنَ مبدأ "الدين لله والوطن للجميع" على أساس أن الوطن يجب أن يكون ساحة أمان للجميع، فإذا تحول إلى ساحة موت لفئة، أليس من حقها أن تبحث عن ساحة أمان خاصة بها؟
تحت السطح يلوح سؤال وجودي: كيف يمكن أن تعيش مع فئة مصرّة على استبعادك؟ كيف يُطلب من شعب أن يتعايش مع من لا يعترف بوجوده أصلاً، مع من لا يعرف إلا لغة البلطجة والسلاح والدم؟ هنا ينهار سند “الوحدة” المفترضة في الوجدان، لأنها لم تعد وحدة مجتمع بل وحدة مسلّط ومسلوخ. الإجابة، مهما كانت، لا تغير الواقع: أناس يقتلون، نساء يُسبَين، أطفال يُجوعون، وأرض تُباع تحت أقدام أصحابها. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأخلاقي الأهم:
هل طلب النجاة خيانة؟

هل طلب الحماية من أي جهة، حتى لو كانت خارجية، خيانة، بينما الصمت والبقاء يعني تسليم البنات للسبي، والبيوت للنهب، والكرامة للدوس هي مواقف وطنية!؟
ليس كل طلبٍ للحكم الذاتي انفصالا عن الوطن. بل قد يكون آخر محاولةٍ لإنقاذ ما تبقى من نسيج اجتماعي، من هويةٍ مهددةٍ بالانقراض. الفيدرالية ليست نهاية سوريا، بل قد تكون بدايتها الحقيقية—دولةٌ تحترم تنوعها، لا تفرض وحدتها بالحديد والنار.
الوحدة القسرية ليست وطنًا. الوطن هو حيث يشعر الإنسان بالأمان، لا حيث يُقتل لأنه يختلف.
وإذا كان "الوحدة" تعني أن يُطرد الآلاف من بيوتهم، ويُسكت الملايين بالخوف، ويُباع الوطن قطعةً قطعةً لمن يدفع أكثر—فأي وطنٍ هذا؟
الحديث عن "مصلحة أعداء البلد" في التقسيم أصبح هروبا من المسؤولية. السؤال الأكثر وجعا هو: من يخدم مصلحة أعداء الشعب السوري حقا؟ أليس من يدفع بمكونات شعبه إلى حافة الهاوية هو من يضع البلاد على طبق من ذهب لأعدائها؟ من صنع الواقع الذي جعل الناس تناقش علنا ما كانت ترفض مجرد التفكير فيه؟

الحلّ لا يكمن في الإنكار، ولا في التمسّك بوهم يُروج على شاشات التلفزة بينما الجثث تُرمى في الحاويات وعلى أطراف الحقول والطرق. الحلّ يبدأ باعترافٍ صادق: أن سوريا التي عرفناها لم تعد موجودة، وأن ما نبنيه اليوم—سواء معا أو منفصلين—يجب أن يبدأ من مبدأ واحد: الإنسان أولا.
فإذا لم يكن هناك مكان في سوريا لمن لا يحمل سيفا، فلن يكون هناك وطن يُستحق أن يُسمى وطنا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بداية جديدة على جزيرة كريت اليونانية | يوروماكس


.. باريس سان جرمان يمطر شباك مرسيليا بخماسية ويستعيد صدارة الدو




.. من سنوات الجفاف إلى اختبار الفيضانات: كيف يستثمر المغرب الأم


.. فتح معبر رفح.. ما دور مصر في المرحلة الثانية من خطة ترامب لل




.. الحصبة.. ما سبب انتشارها في الولايات المتحدة؟ • فرانس 24