الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين الجذور والهوية المكتسبة: رحلة الشعوب نحو ذاتها

محفوظ بجاوي

2025 / 10 / 31
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات


عندما تتأمل خريطة شمال إفريقيا بعيون التاريخ والثقافة، يبرز سؤال يتكرر: لماذا يظهر الجزائري أو المغربي أو التونسي أو الليبي أكثر تمسكًا بالعروبة وأحيانًا أكثر تشددًا في الدين، مقارنةً بالخليجي في شبه الجزيرة العربية؟ ولماذا نرى الباكستاني أو الأفغاني ملتزمًا دينيًا رغم بعده عن اللغة العربية ومعرفته بالعلوم الدينية محدودة بلغات أجنبية كالانجليزية أو الفرنسية ؟
الإجابة ليست بسيطة، فالأمر يختلط بين التاريخ والثقافة والنفس البشرية.
شمال إفريقيا، من موريتانيا غربًا حتى مصر شرقًا يحمل في طياته شعوبًا أصلها الأمازيغي، أو خليطًا بين الأمازيغ والمصريين الأوائل، وقبائل ليبيا والتونسيين. هذه الشعوب، على الرغم من ثرائها الثقافي واللغوي العميق، اعتمدت تدريجيًا هويّة عربية إسلامية مكتسبة. لقد تخلّوا جزئيًا عن لغاتهم الأصلية وعاداتهم وتقاليدهم القديمة، ليصبحوا "مستعربين" أو "متأسلمين" وفق السياقات الجديدة التي فرضتها الدولة، الاستعمار والتحولات الكبرى في القرن العشرين.
ولأن هذه الهوية مكتسبة وليست من جذورهم الأصيلة فإن الدفاع عنها غالبًا يكون مفرطًا، أحيانًا مبالغًا فيه وكأنه محاولة لتعويض شعور بالفراغ أو فقدان الانتماء. مثال على ذلك، يُنادى المصري بـ "يا مصري"، وليس "يا قبطي، والجزائري بـ ( يا جزائري ) أو ( يا مغاربي ) وكذلك التونسي والليبي، مما يعكس شعورًا متأرجحًا بين الانتماء إلى الجذور القديمة والهوية العربية الجديدة، داخل إطار هوية جامعة نسبية تُسمى بالعروبة.
في الجزائر، نجد تمسكًا بالعربية والدين يجمع بين الوطنية والهوية المستعارة. المغرب يميل إلى الجمع بين الثقافة الأمازيغية والإسلامية، لكن الحديث عن العروبة يجعل التناقض الداخلي أكثر وضوحًا، كما هو الحال في تونس وليبيا، حيث التاريخ القبلي والطابع الأمازيغي يلازم الحياة اليومية، لكن الهوية العربية الإسلامية المكتسبة تغدو المرجعية الرسمية والاجتماعية السائدة. حتى في موريتانيا، نجد التمترس خلف العربية والإسلام على حساب اللغة والثقافة الأصلية، وهو نمط شبيه بما يحدث في شمال إفريقيا بأكملها.
هذا التوتر بين الأصل والهوية المكتسبة يخلق شعورًا دائمًا بالاضطراب النفسي والثقافي. فالأمازيغي والمصري والليبي والتونسي، رغم كونهم متدينين ومتمسكين بالهوية العربية، غالبًا ما يعيشون شعورًا داخليًا متناقضًا، كما لو أن الدفاع عن العروبة والإسلام يعوّض عن مسافة متباعدة عن الجذور. في المقابل نجد الخليجي أو السعودي أكثر اتزانًا مع جذوره وولاؤه لأرضه ووطنه أكثر وضوحًا واستقرارًا.
أما بعض أبناء هذه الدول شمال إفريقية، فقد يوجّهون ولاءهم إلى رموز بعيدة مثل إسطنبول أو طهران، او القدس أحياناً أكثر من ولائهم لعواصمهم الأصلية مثل الجزائر أو الرباط أو القاهرة أو تونس العاصمة. هذا التشتت يعكس إحساسًا داخليًا بعدم الانتماء الكامل وهو ما يفسر أحيانًا التشدد في الممارسة الدينية أو التمسك القوي بالشعارات العروبية.
التاريخ يلعب دورًا حاسمًا في هذه العملية. آلاف السنين من العيش الأمازيغي في المغرب والجزائر وليبيا وتونس، آلاف السنين من حضارات متفرعة في مصر وموريتانيا، تم استيعابها لاحقًا في هوية واحدة مكتسبة، فرضتها التحولات الكبرى بين الدولة والدين والسياسة. الشعوب تعلمت أن تتكيف مع هذا الواقع الجديد، لكنها تحمل في داخلها جذورًا لا يمكن محوها فتتراكم الصراعات الداخلية بين الجذر الأصلي والهوية المكتسبة.
إن فهم هذه الظاهرة ليس فقط دراسة سوسيولوجية أو تاريخية، بل قراءة نفسية للهوية، وللتمسك بها في مواجهة صراع داخلي دائم. هذه الشعوب تسعى للعثور على مساحة أمان نفسي، بين ما هو أصيل وما هو مكتسب، بين الانتماء للماضي العميق والانتماء لما فرضته الحياة الحديثة. وعليه، فإن الممارسة الدينية والتمسك بالعروبة، ليست مجرد تصرفات اجتماعية، بل انعكاس لتاريخ طويل من التكيف النفسي والثقافي ومحاولة للتوازن بين ما فقد وما اكتسب.
في النهاية، ما يربط هذه الشعوب بشعوب الخليج هو الدين نفسه، ولكن ما يفرّقهم هو صراع الهوية الداخلية. فالشعوب المستعربة والمتأسلمة شمال إفريقيا تعيش بين جذور ضائعة وهوية مكتسبة، بينما الخليجي متصالح مع ذاته وأرضه، يعيش الدين والعروبة باعتبارهما امتدادًا طبيعيًا لما هو أصيل في وجوده.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خارج حسابات هرمز.. واشنطن تستهدف ميناء تشابهار الإيراني الاس


.. أمريكا تقصف مدينة سيريك بمحافظة هرمزغان وتعلن بدء موجة ضربات




.. أزمة طائرات الوقود الأمريكية في بن غوريون.. مواجهة بين الاست


.. عاجل | أميركا تشن غارات جوية جديدة على إيران




.. ترمب يوجه بضربات جديدة ضد إيران لثامن ليلة على التوالي بعد م