الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الصراع في السودان

محسن عزالدين البكري

2025 / 10 / 31
الارهاب, الحرب والسلام


السودان بلدٌ واسع، غني بتنوعه، يضم مئات الأعراق والقبائل واللغات، ومعتقدات تمتد من الإسلام والمسيحية إلى الديانات الإفريقية التقليدية. هذا التنوع الهائل يجعله نسيجًا معقدًا حيث تتجاور أعراق مختلفة: من القبائل النيلية في الشمال والوسط، مروراً بالخليط الواسع من "العرب" و"الأفارقة" في دارفور وكردفان، والتي تضم قبائل الفور، الزغاوة، المساليت، ومجموعات عربية مثل الرزيقات والمهرية، إلى جانب عرقيات أخرى مثل النوبة والنوبيين، وصولًا إلى الأجناس الزنجية في الجنوب (التي انفصلت) والتي لا يزال ارتباط أحداثها يلقي بظلاله على الأحداث الراهنة.
​ويضاف إلى هذا التعقيد، الصراع الداخلي العميق حول الهوية ذاتها؛ فبينما يصرّ البعض على الانتماء العربي الكامل، هناك من يرفض هذه العروبة ويعتبرها تعريباً قسرياً، مؤكداً على الجذور الإفريقية، النوبية، أو الزنجية الأصيلة للبلاد. كان هذا التعدد الجغرافي والإثني يمكن أن يكون مصدرَ غنى حضاري فريد، لولا أنه تحوّل عبر التاريخ الحديث إلى بؤرة صراعات دامية، إذ تداخل العرق بالدين والطائفة والقبيلة، وتحولت الأعراف الاجتماعية إلى وسيلة لترسيخ الاستعلاء. وعدم قبول المواطنة والتعايش وتأجيج الكراهية

​بينما يميل البعض دائمًا إلى إلقاء اللوم على مؤامرات عالمية أو أجندات خارجية، فإن الحقيقة أن الجذور العميقة لهذه الأزمات موجودة داخل المجتمعات نفسها، في عقلية الكراهية ورفض التعايش التي تدفع طرفًا لإنكار وجود الطرف الآخر أو حقه في المساواة، مما يخلق ردة فعل مقابلة بنفس الحدة. إن الأمر ليس قصة مسؤول أو حزب أو حكومة، بل أن المجتمع بكله يحمل فكرة فاسدة من الأساس؛ وكلما ارتفعت أصوات اتهام الخارج، كانت في الحقيقة تخفي فشل الداخل وعجزه عن مواجهة عيوبه.
​جغرافية السودان جعلته نقطة التقاء تاريخية، مما أدى إلى مجتمع متعدد الهويات. لكن بدل أن يُبنى هذا التنوع على قاعدة المساواة والمواطنة، استُخدم كأداة للفرز والتفاضل. ومع قيام الدولة الوطنية بعد الاستقلال، تمركزت السلطة والثروة في الشمال العربي المسلم، فيما بقيت مناطق الغرب والجنوب والشرق تعاني من التهميش والغبن التاريخي، كونها تضم عرقيات غير عربية وأحياناً غير مسلمة. هذا التفاوت الصارخ، الذي ألبس ثوب العرق والدين، هو الذي خلق أرضًا خصبة للصراع. إن إصرار البعض على تبرير هذا التهميش بقصص الثروات المسروقة أو الأيادي الخفية، لا يعدو كونه محاولة لرش العطر على "العفن الداخلي" كي لا تُشم رائحته، فكل من يأتي للحكم أو للمعارضة هو نتاج لهذه البيئة الموبوءة.

​ ولادة الجنجويد وشرعنة العنف العرقي

​في سياق هذا التهميش والغبن، ومع مطلع عام 2003 واندلاع الحرب في إقليم دارفور كرد فعل مباشر على هذا الاستعلاء، برز اسم ميليشيات الجنجويد. وهي ميليشيات مسلحة من قبائل عربية رعوية (مثل المحاميد والرزيقات والمهرية)، يقال إن اسمها مشتق من عبارة "جن راكب جواد يحمل بندقية G3". لجأ نظام الرئيس المخلوع عمر البشير إلى إنشاء ودعم هذه الميليشيات؛ وكان الهدف الأساسي هو ردع الحركات المسلحة المتمردة التي انطلقت من العرقيات غير العربية (مثل الفور والزغاوة والمساليت). وبذلك تحوّل النزاع من صراع سياسي واقتصادي إلى صراع عرقي.
​فرغم أن الفارق بين "العربي" و"الإفريقي" في دارفور ليس سلاليًا خالصًا، إلا أن الهوية العربية كانت تُعبّر عن ثقافة لغوية ودينية ذات نظرة تفوق، مقابل هوية إفريقية أكثر ارتباطًا بالأرض. تطور دعم البشير لهذه القوات تدريجياً، فتحولت من مجموعات قبلية غير نظامية إلى "قوات حرس حدود"، ثم، في عام 2013، صدر قانون رسمي يقضي بإنشاء "قوات الدعم السريع" كجزء من جهاز الأمن والمخابرات الوطني، لتصبح الجنجويد كياناً رسمياً ضخماً. لكن الجذر الحقيقي للمشكلة لا يزال في عقلية متأصلة ترفض التعايش وتعتبر جماعات معينة أحق بالسيطرة على الأرض. هذا الاستعلاء القبلي والطائفي خلق دوامة العنف، فاستُخدمت الحملات العسكرية ضد القبائل من العرقيات الأخرى. كل مرة يُعاد سرد هذه الأحداث، نجد نفس العقلية تبحث عن أعذار خارجية، وكأن المجتمعات جميلة لولا الآخرين، بينما الخراب ينبع من رفض قبول الآخر كشريك متساوٍ، فالجماعات تتبدل، لكن العفن الأصلي للمجتمع يعيد إنتاج الفكرة الفاسدة ذاتها.

​وبالمثل، فإن هذه الإشكالية ليست حكراً على طرف واحد، بل هي دورة عنف متبادلة: فكما حدث رد فعل عنيف من المركز، كان هناك ردة فعل قتالية من العرقيات الأخرى نفسها التي حملت السلاح وتمردت، وكل طرف في نهاية المطاف يدافع عن نفسه وهويته القبلية أو العرقية، لا عن فكرة الدولة والمواطنة الجامعة.
​فالمشكلة بكلها تكمن في غياب فكرة قبول التعايش والمواطنة والسلام في السودان، وهي ذات الفكرة المتخلفة التي تغذي الصراعات في كل مناطق البلدان العربية، فتظهر مرة بتمييز عرقي، وأخرى ديني، وثالثة طائفي، وأحياناً قبلي ومناطقي. الحديث عن المؤامرات والثروات لم يعد صالحًا لتفسير الأزمات في عالم اليوم. كوريا الجنوبية وتايوان، وحتى وادي السيليكون، كلها أمثلة تظهر أن الثروة الحقيقية تكمن في الإنسان، في العقل، في الإبداع، وفي النظام، وليست في باطن الأرض. إن الاستمرار في إلقاء اللوم على "الأجندات الخارجية" أو الثروات المنهوبة هو مجرد هروب مُريح من مواجهة الحقيقة الصعبة: أن العفن يبدأ داخل المجتمع نفسه، في عقلية الكراهية التي ترفض الاعتراف بالحقائق البسيطة.
​في السودان، لا أمل في أن تصلح الأمور وتُنهى هذه الدوامة، ما دامت القضايا متشابكة بهذا الشكل بين الأعراق والأديان والطوائف والإثنيات. لن تصل البلاد إلى نتيجة مستدامة إلا إذا وعَت تلك الشعوب وتلك الحكومات بأن هناك شيئاً اسمه الحكم المدني العلماني الذي يجعل الجميع يعيش بسلام قائم على المواطنة والاحترام المتبادل.
​إن الإصرار على اختصار الوطن في شريحة واحدة، سواء كانت عرقية أو دينية أو قبلية، يجعله ببساطة لا يتسع للجميع، ويضمن استمرار دوامة الصراع الأبدي. لقد تعلمت أوروبا، بعد حروبها الدينية والعرقية المروعة، أن خلاصها لا يكمن في انتصار مذهب أو عرق، بل في بناء مؤسسات مدنية عادلة تحمي كل مواطن بالتساوي، بعيدًا عن أي استعلاء. الحل يبدأ دائمًا من الداخل: من وعي الإنسان، ومن بناء مؤسسات تحمي الحقوق وتمنع أي طرف من فرض نفسه على الآخرين باسم الهوية. كل محاولة لإلقاء اللوم على أجندة خارجية أو مؤامرة ما هي مجرد ستار لإخفاء العفن الداخلي الذي يمنع التقدم، فكل طرف يظهر هو نتاج هذه التربة الفاسدة.
​وهكذا تصبح فكرة التعايش والمواطنة والسلام هي النكهة الخفية التي تحمي المجتمع وتمنح كل شخص الحق في العيش بكرامة وأمان.
.....
..
تحياتي :
ا/ محسن عزالدين البكري








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف تمضي هدنة عيد الفصح في ظل اتهامات متبادلة بين أوكرانيا و


.. الخبير العسكري نضال أبو زيد: إعلان الحصار على الموانئ جاء كو




.. -الالتفاف البري-.. خطة إيران لكسر حصار هرمز عبر العراق وتركي


.. -خريطة الحصار-.. كيف ستمنع واشنطن إيران من تصدير النفط؟




.. هل يمهد الحصار البحري الأميركي على إيران لتصعيد عسكري شامل؟