الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
رقصة الديك المذبوح بعد قرار مجلس الأمن
الشهبي أحمد
كاتب ومدون الرأي وروائي
(Echahby Ahmed)
2025 / 11 / 1
السياسة والعلاقات الدولية
ما إن صوّت مجلس الأمن على قراره الجديد بشأن الصحراء المغربية، مؤكداً مرة أخرى دعم مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، حتى سارعت جبهة البوليساريو إلى إصدار بيان بدا كمن يصرخ في الفراغ، متحدثة عن “الحق في تقرير المصير” وعن “مسارات سياسية لا تحترم سيادة القانون”، في مشهدٍ يعيد إلى الأذهان رقصة الديك المذبوح التي لا تعبر عن حياةٍ بقدر ما تفضح لحظة النهاية.
من يقرأ البيان بتمعن يكتشف بسهولة أن الجبهة لا تزال أسيرة خطابٍ متجاوز، يعيد إنتاج لغة السبعينات بكل مفرداتها الإيديولوجية البالية، في زمن تغيرت فيه موازين القوة والمفاهيم الإقليمية. فبينما يمضي المغرب بثبات في ترسيخ نموذج تنموي متجذر في أقاليمه الجنوبية، ومؤطر بمبادرة الحكم الذاتي التي أصبحت تحظى بدعم متنامٍ من القوى الكبرى، تصرّ البوليساريو على الارتماء في أحضان الوهم، متحدثة عن مقترحات "قدمتها للأمم المتحدة"، في محاولة يائسة لإيهام المتابع بأنها ما زالت تمتلك ورقة سياسية فاعلة.
لكن الحقيقة أن البيان الأخير لم يكن سوى صرخة وجودٍ من كيانٍ يعيش أزمة هوية سياسية وتنظيمية خانقة. فبعد أن فقدت الجبهة سندها في مجلس الأمن، وتراجع تأثير داعميها الإقليميين، لم يبق أمامها سوى المناورة الخطابية واستعمال لغة التهديد التي لم تعد تقنع أحداً. وما وصفته بـ"المقاربات أحادية الجانب" ليس سوى غطاء لفظي لعجزٍ متزايد عن مجاراة التحولات الواقعية التي كرّسها المغرب على الأرض دبلوماسياً وتنموياً وأمنياً.
لقد تجاوز المجتمع الدولي اليوم مرحلة النقاش حول من له السيادة، لأن القرار الأخير لمجلس الأمن لم يكتفِ بالتشديد على مركزية مبادرة الحكم الذاتي، بل جعلها الإطار الواقعي والوحيد للحل السياسي الممكن. وهذا التحول ليس تفصيلاً لغوياً، بل إعلانًا صريحًا عن نهاية خطاب المزايدة، وبداية واقع جديد يُبنى على التوافق لا على الوهم.
المفارقة أن البوليساريو، وهي تندد بما تسميه "التضحية بسيادة القانون"، هي أول من انتهك هذا المبدأ عندما قررت حمل السلاح ضد من يفترض أنهم أبناء وطن واحد، ثم حين تحولت إلى أداة في صراعات إقليمية تتجاوزها. وما عاد يخفى على أحد أن ما يسمى بـ"المخيمات" لم تعد سوى فضاءٍ لتكريس البؤس الإنساني والوصاية السياسية، أكثر مما هي رمزٌ لقضية أو مشروع تحرر كما يدّعي خطابها الرسمي.
إن البيان الذي أصدرته الجبهة بعد قرار مجلس الأمن ليس سوى آخر أوراق المناورة قبل السقوط النهائي في عزلةٍ سياسيةٍ خانقة. فهو لم يوجَّه إلى الأمم المتحدة بقدر ما وُجه إلى الداخل المأزوم الذي بدأ يفقد الثقة في قياداته. ومن هنا تأتي نبرة الغضب واليأس التي تخترق النص، كمن يدرك أن العالم مضى إلى الأمام وهو ما زال يتحدث بلسان الأمس.
لقد دخل ملف الصحراء المغربية مرحلة النضج الدبلوماسي والسياسي، ولم يعد في حاجة إلى مناورات خطابية أو شعارات متحجرة. المغرب اليوم لا يتحدث بلغة الحرب، بل بلغة البناء؛ لا يرفع شعارات التحرير، بل يشيّد واقعاً من التنمية والكرامة. وهنا تكمن الفلسفة العميقة للحكم الذاتي: أن تتحول الأرض من موضوع نزاع إلى فضاء حياة.
أما أولئك الذين ما زالوا يصرون على العيش في ظل أوهام الماضي، فليستعدوا لسماع صوت التاريخ وهو يغلق الباب من ورائهم. لأن رقصة الديك المذبوح، مهما بدت صاخبة، لا تؤخر موعد السكون الأخير.
وفي النهاية، هذه اللحظة التاريخية ليست انتصاراً مغربياً على أحد، بل فرصة لتأكيد قدرة الدولة والمجتمع على تحويل النزاعات الطويلة الأمد إلى فضاءات للتوافق والتنمية والسلام. وهي رسالة للعالم: الحلول الواقعية والمبنية على التوافق والمصلحة المشتركة أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والأمن من الشعارات والخيالات السياسية، وأن المغرب جاهز لتقاسم هذا الطريق مع الجميع من أجل سلامٍ دائم في المنطقة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ما الذي يخفيه البنتاغون عن المقاتلة الأخطر في العالم؟ | #ستو
.. التلفزيون الإيراني يعلن استهداف جسرين في مدينة بندر خمير بمح
.. مليار شيكل إسرائيلي لدعم الاستيطان وطفرة توسع تلتهم جغرافيا
.. خارج الصندوق | هل تنقسم إيران من الداخل؟.. والعراق بعد لقاء
.. العالم الليلة | إمبراطورية فساد تنهار في العراق.. وأسرار قلع