الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الرفاه الريعي في العراق: حين يجد العراقي الموز ولا يجد الكهرباء
سهام يوسف علي
2025 / 11 / 1الادارة و الاقتصاد
يبدو المشهد العراقي للوهلة الأولى وكأنه قصة نجاح متأخرة: سيارات فارهة، مولات مكتظة، وفواكه مستوردة لم يرها العراقيون سابقًا، وسفر للخارج أصبح ممكنًا. يقول بعض العراقيين إن مستوى معيشتهم اليوم أفضل مقارنة بسنوات ما قبل 2003، بفضل القدرة على الاستهلاك والتنقل والسفر، لكن هذا الازدهار الظاهري يخفي وراءه اختلالًا هيكليًا عميقًا.
المواطن يستهلك أكثر، والدولة تبدو ضعيفة في قدرتها على توفير الكهرباء والماء والبنية التحتية الأساسية. هذا ما يُعرف اقتصادياً بـ الرفاه الريعي، أي رفاهية تعتمد على توزيع الإيرادات الريعية بدل بناء قاعدة إنتاجية مستدامة.
الرفاه الريعي ينشأ عندما تعتمد الدولة على مصدر دخل خارجي ثابت كالنفط، وتستخدمه لتوزيع الدخول والرواتب والدعم، دون خلق الإنتاج المحلي. بمعنى آخر، المواطن يصبح مستهلكًا لثروة لم يساهم في إنتاجها، والدولة موزعًا للثروة لا مولّدًا لها. في العراق، يشكل النفط غالبية الإيرادات الحكومية، مما يرسّخ هذه الظاهرة.
البيانات الرسمية تؤكد هذا الاعتماد شبه المطلق على النفط: في أول خمسة أشهر من عام 2025، بلغت الإيرادات الفيدرالية 46.157 تريليون دينار، منها 91٪ من النفط. في عام 2024، شكّل النفط حوالي 91٪ من إجمالي الإيرادات، في حين لم تتجاوز الإيرادات غير النفطية 2.9٪ من الناتج المحلي.
الإنفاق على الرواتب والتحويلات يمثل أكثر من 60٪ من الإنفاق الحكومي، بينما الإنفاق الاستثماري أقل من 15٪. ونمو الناتج المحلي غير النفطي بلغ 5٪ في 2024، وهو مؤشر محدود على التحول الهيكلي، لكنه بعيد عن مستوى الاستدامة.
مظاهر الرفاه الريعي واضحة: ارتفع الطلب على السلع المستوردة بعد 2003، وازدهرت السيارات والمولات والسفر للخارج، ما جعل بعض العراقيين يشعرون بتحسن مستوى معيشتهم. لكن هذا التحسن سطحي ومؤقت، لأنه قائم على توزيع الريع النفطي وليس على إنتاج محلي مستدام.
الزيادة في الطلب الاستهلاكي لم تترافق مع توسع مماثل في الإنتاج المحلي، مما اضطر العراق إلى استيراد أغلب السلع لتلبية هذا الطلب، وهو نتيجة طبيعية للاقتصاد الريعي.
اعتماد العراق شبه المطلق على الإيرادات النفطية خلق اقتصادًا معتمدًا على الريع دون قاعدة إنتاجية حقيقية. فالنفط يوفر الدخل الأساسي للحكومة، ما جعل القطاع العام الممول بالنفط الملاذ الاقتصادي الأكبر للأفراد، بينما تظل الصناعة والزراعة ضعيفة وغير قادرة على المنافسة داخليًا أو خارجيًا.
هذا التركيب يخلق هشاشة بنيوية: أي صدمة في الإيرادات النفطية أو تأخر في الميزانية يضعف قدرة الدولة على الإنفاق العام والخدمات الأساسية، ويكشف الاعتماد الكامل على الريع بدل الإنتاج المحلي.
الاقتصاد الريعي يخلق حوافز ضعيفة للإنتاج والاستثمار، إذ يركز الأفراد والمؤسسات غالبًا على اقتناص الريع بدل تطوير الاقتصاد المحلي. وفق دوغلاس نورث، هذا النوع من الاقتصادات يكوّن مؤسسات استخراجية تركز على توزيع الثروة بدل خلق الإنتاج.
وفي المقابل، يشير أمارتيا سن إلى أن الرفاه المادي وحده لا يكفي، والتنمية الحقيقية تتطلب بناء قدرات المواطنين والمؤسسات، وإلا يصبح ما يراه الناس “ازدهارًا فارغًا”، أي رفاهًا بلا استدامة.
العراق نموذج حي للرفاه الريعي: مجتمع يستهلك وينتقل بين المولات والسيارات والسفر، ودولة عاجزة عن توليد الإنتاج أو ضمان الخدمات العامة. النمو القائم على النفط وحده يجعل الاقتصاد هشًا: أي تراجع في أسعار النفط أو اضطراب مالي يهدد القدرة على الإنفاق العام، ويكشف هشاشة الدولة.
لتجاوز هذه الدائرة، يحتاج العراق إلى تحويل الريع إلى استثمار حقيقي في الصناعة والزراعة والبنية التحتية والطاقة المتجددة، وتنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على النفط، وإصلاح مؤسسات الدولة لبناء قدرات إنتاجية مستدامة، وإعادة هيكلة القطاع العام لتشجيع الاستثمار والإنتاج بدل التوظيف الريعي.
الرفاه الريعي ليس علامة ثراء حقيقي، بل تأجيل للفقر المؤسسي. حين يُقاس الرفاه بعدد السيارات والمولات، لا بعدد المصانع والمشاريع الإنتاجية، يصبح الاقتصاد مجرد واجهة براقة لبنية خاوية. العراق بحاجة إلى الانتقال من استهلاك الريع إلى استثمار الريع، ومن دولة توزع المال إلى دولة تنتج الثروة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. المقابلة - رئيس الوزراء القطري الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ث
.. قراءة اقتصادية | هجمات المسيرات تعطل تحميل النفط وتضغط على إ
.. النشرة الاقتصادية | تحذيرات من استغلال عائدات الصمغ السوداني
.. لماذا يمثل ميناء العقبة نقطة ارتكاز للأمن والغذاء والاقتصاد
.. نافذة اقتصادية| هجمات على منشآت نفطية تثير قلق الأسواق