الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ما لا يعود
أكرم شلغين
2025 / 11 / 2الادب والفن
إنه ذاك الألم الهادئ الذي ينشأ عندما تكتشف أن الجذور التي كنت تحسبها تمتد في أعماق الأرض، قد صارت ذكرى تحملها في حقيبة سفر. ذلك العالم الذي رباك - بأصواته، وروائحه، وأضوائه - يتحول فجأة إلى شريط سينمائي تشاهده من خلف زجاج كثيف. يمكنك رؤية كل شيء، يمكنك سماع كل شيء، لكنك لا تستطيع العودة. تلك الشجرة التي تسلقتها، وذاك الدرب الذي عرفته بحذائك الصغير،
هناك أشياء لا نغادرها حين نرحل، بل تظلّ معنا في أماكن لا نراها.
نسير بعيدا، نغيّر المدن، الوجوه، واللهجات، لكننا نحمل في أعماقنا ظل شجرة قديمة، وصوت الريح بين أغصان شجرة لم تعد موجودة، وظل جدار انهار قبل أن تدرك أنك ستفتقده ونبرة صوت نادتنا يوما من شرفة نُسيت ملامحها؛ نادتنا للعشاء... كلها تصير كطابع بريد على رسالة مغلقة، لا يمكنك فتحها مجددا. أنت تحمل وطنا كاملا في ذاكرتك، لكنك لا تستطيع العيش فيه. إنه مثل حب انتهى، لا خصام أو جفاء، بل لأن الزمن نفسه قد انتزعه من بين يديك بهدوء. تظل تبحث عن رائحة ذلك المكان في كل هواء جديد، وتظل تلمس طينه في كل تراب غريب، لكنك تعرف، في صميم قلبك، أن ما ذهب لن يعود أبدا. لقد صرت غريبا عن ماضيك، وسياحا في ذاكرتك. واحدنا لا يفقد الأماكن بقدر ما يفقد الطريقة التي كان يراها بها. فحين نكبر، يتبدل البصر إلى بصيرة، وتفقد الأشياء براءتها الأولى. كان المطر يوما فرحا صافيا، صار اليوم ذكرى تُوجِع. كانت الطرقات تفتح العالم، صارت تُغلقه بالحنين.
وما أقسى أن تكتشف أن ما كنت تبحث عنه في المدن البعيدة، كان يسكنك منذ البداية، وأنك لم تكن تفتّش عن مكان، بل عن زمن مضى.
ذلك الزمن الذي كان كل ما حولك فيه حيا على نحو لا يُفسر: الضوء، والريح، وصوت الأم، ودفء المساء الذي لا يشبه أي مساء آخر.
نعم، ثمة مكان لا يُعوض، مهما سافرت أو ارتحلت، مهما بنيت من علاقات جديدة أو سعيت لغرس أشجار غريبة. هو ذلك الركن الذي نشأتَ فيه، حيث تعلّمت رائحة الصبح من نوافذ أمك...ليس الحنين إليه مجرد ذكرى، بل جرح صامت ينزف كلما مررت بشارعٍ يشبهه، أو سمعت لهجة تذكرك بلغة طفولتك. لكن ما يذهب لا يعود. فالمكان إن ظل كما هو، يتغير فينا. والزمن الذي نحاول استعادته يرفض أن يتكرر، لأننا لم نعد أولئك الذين كناهم. ذلك المكان لا يُعاد بناؤه، ولا يُسترد بزيارة عابرة؛ لأنه لم يكن حجارة وترابا فحسب، بل كان جزءا من روحك قبل أن تعرف أن للروح وطنا. وما يُفقد منه لا يُعوض، لأن الزمن لا يعود، والطفولة لا تُكرر، والبيوت التي تُهجر لا تنتظر عودة ساكنيها… بل تذوب في ذاكرة الأرض، كأنها لم تكن.
ربما هذا هو سر الحياة — أن نمضي ونحن نترك أجزاءنا الصغيرة في الطرقات القديمة، نخلف وراءنا ما لا يمكن استعادته، ونواصل المسير بقلوب تعرف أن الفقد هو الثمن الوحيد للنضج.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. شوية ضحك مع الشاعر والسيناريست أيمن بهجت قمر مع أولاده في لع
.. عاش فيلم إكس لارج في الحقيقة.. لحظات فارقة في حياة أيمن بهجت
.. عرض فيلم البحث عن داوود عبد السيد في حفل تأبيه بحضور أصدقاءه
.. تكريم الفنانة نورين حازم عمر في اليوم السابع بعد تألقها في ع
.. هل أفلام أيمن بهجت قمر فيها تجارب شخصية؟.. الشاعر هيقولنا كل