الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
اقتصاد يئنّ... وساسة يتحدثون عن الرفاهية
سهام يوسف علي
2025 / 11 / 2الادارة و الاقتصاد
في العراق اليوم، لا شيء يُدهش أكثر من الفجوة بين الخطاب والواقع، بين من يتحدثون باسم “الرفاهية القادمة” وبلدٍ يذبل تحت شمسٍ حارقة وجفافٍ يزحف حتى على الذاكرة.
البيئة تدق ناقوس الخطر: ستون في المئة من الأراضي الزراعية خرجت من دورة الحياة، وسبعون في المئة أُدرجت في خانة التصحر القادم، فيما المالية العامة تعاني جفافًا لا يقلّ قسوة.
فالإيرادات النفطية بالكاد تكفي لسداد الرواتب، والعجز يتسع كشقٍّ في جدار الدولة، وبلدٌ يبيع نفطه ليؤمّن معاش موظفيه، ويقترض ليواصل التنفس، ثم يُقال له: "الرفاهية قادمة!"
وحين تموت الأرض، لا يبقى للرفاهية معنى، سوى أن تكون كلمةً طائشةً في فمٍ مُترفٍ.
الوعود التي لا تنبت
في كل موسم انتخابي، يعتلي بعضُ قادة الكتل السياسية المنابر، مُعلنينَ بثقةٍ أن «العراق بلد الثروات، ويحق لشعبه أن يعيش برفاهية». لكنَّ هذا النداء الرفيع، وهو حقٌ مشروع، لا يصمد بوجه الواقع ، لأن الواقع المالي والاقتصادي يكشف عن زيف هذه الوعود .
ففي النصف الأول من عام، بلغت الإيرادات النفطية نحو 45.283 تريليون دينار،تم تخصيصها تقريبًا لتغطية الرواتب، التي بلغت 44.946 تريليون دينار خلال الفترة ذاتها. أي أن النفط يغطي بالكاد الرواتب ، من دون أن يُتوفّر حيز للاستثمار أو لإنفاق تنموي حقيقي.
وعندما تنظر إلى الإيرادات غير النفطية، تجد أنها تراجعت إلى 4.951 تريليون دينار، ما يمثل نسبة 8% فقط من إجمالي الإيرادات العامة، فيما كان الهدف المعلن مطلقًا هو 20%. هذا التراجع يُشير إلى أن الدولة عاجزة عن تنويع دخلها، فتصبح رهينةً لبرميل النفط، ولتقلّبات الأسعار.
كما ارتفع الدين الداخلي إلى 91 ترليون دينار، وهو رقمٌ قياسي في تاريخ المالية العامة العراقية. ومع أعباء خدمة دين تجاوزت 3 تريليونات دينار في فصل واحد، تصبح الدولة تحت وطأة التزاماتٍ جارية تُفرِغ من قدرتها على الاستثمار في البنية التحتية أو التعليم أو الصحة.
من هنا يُصبح القول: “سوف يعيش العراقي برفاهية” شهادة عزاء، لا مشروعاً واقعياً.
.هذه ليست أرقامًا جامدة، بل أصفادٌ تربط مستقبل الأجيال القادمة بديون الحاضر، فالاقتصاد العراقي يشبه مريضًا يعيش على جهاز التنفس الصناعي، والأنبوب الموصل إلى رئتيه هو برميل النفط، وإذا ما هبط السعر إلى 65 دولارًا للبرميل أو أقل كما يتوقع بعض الخبراء، فإن الأوكسجين سيتناقص، وستختنق معه كل وعود الرفاهية.
الرفاهية الخاصة والعجز العام
اللافت أن السياسيين أنفسهم يعيشون في زمن رفاهيتهم الخاصة,قصورٌ فارهة، استثماراتٌ في الخارج، حسابات مصرفية تتضخم بقدر ما تتقلص ميزانية الدولة.
إنهم يتحدثون عن “إعادة توزيع الثروة”، لكن الثروة أعادت توزيع نفسها بالفعل ، نحو جيوبهم.
هم لا يكذبون فحسب، بل يمارسون نوعًا من الإنكار الجمعي، إذ يتحدثون كما لو أن الدولة لا تُدار بالعجز، ولا يعيش نصف الشعب على الرواتب والتحويلات.
يقولون: “لقد حان الوقت لتعود ثروة البلد إلى المواطنين” ،لكن أي ثروة هذه؟
هل هي تلك التي تذوب في خزائن المصارف بينما الفلاح لا يجد ماءً يسقي أرضه؟
أم تلك التي تُهدر في رواتبٍ ضخمة وامتيازات لموظفي الدولة بينما إيرادات النفط بالكاد تغطي الرواتب؟
إن العراق، في عام 2025، ينفق أكثر من 99% من إيراداته النفطية على الأجور، فيما الإيرادات غير النفطية تمثل أقل من 8% من مجموع دخله العام.
فأي “رفاهية” تُبنى على اقتصادٍ يُنفق كل ما يجنيه على نفسه؟
يُحدّثون الناس عن خططٍ للإعمار والتنمية، وهم في الواقع يرفعون الدعم تدريجيًا عن الفئات ذات الدخل المتوسط، ويزيدون الرسوم على كل معاملةٍ بسيطة، في وقتٍ تتآكل فيه القوة الشرائية للدينار وتتصاعد أسعار الغذاء والطاقة.
الرفاهية سراب في صحراء السياسة
العراق اليوم يقف على حافة مزدوجة: جفاف الأرض وجفاف الأمل، وحين يقول السياسي: “لقد حان وقت الرفاهية”، تبدو عبارته كمن يعلن عن موسم حصادٍ في أرضٍ محروقة.
الرفاهية الحقيقية لن تأتي من صناديق الاقتراع، بل من تغيير العقول التي تدير الصناديق.
حين يُعاد النظر في بنية الدولة، في توزيع الثروة، وفي معنى السياسة نفسها ، عندها فقط يمكن أن نصدق أن “ثروة البلد عادت إلى مواطنيه”.
أما الآن، فالبلد مثل نخلةٍ عطشى: تُرفع حولها الشعارات، ولا يُسكب في جذورها الماء.
الرفاهية هنا لا تُمنح، بل تُنتزع من أفواه المواطنين.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. قراءة اقتصادية.. ما الأبعاد الاقتصادية لتوقف الحركة في مضيق
.. أوروبا اليوم: القارة عند منعطف اقتصادي مع تصاعد التوترات الع
.. كيف أثر رفع الحظر الأمريكي على صادرات النفط الإيرانية؟
.. النيتو في أنقرة.. تحديات التمويل العسكري وفجوة الإنتاج الدفا
.. نجيب ساويرس في أجرأ تصريحاته: الذهب يتأرجح ووضع الدولار يتغي