الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
-فلسفة الاستسلام وفقه الخنوع-.. ضرورةٌ مرحلية أم استقالةٌ من التاريخ!
ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية
(Yasser Qtaishat)
2025 / 11 / 5
السياسة والعلاقات الدولية
تتجاوز ظاهرة الاستسلام في معناها السياسي حدود الانكسار العسكري أو التراجع أمام العدو، فهي حالة حضارية تُعبّر عن انطفاء الإرادة وانهيار منظومة القيم التي تمنح الإنسان والمجتمع معنى الكرامة والفاعلية.
حين يستقرّ في وعي الأمة أن الضعف قدرٌ لا يُقاوَم، يتحوّل الخضوع إلى فلسفةٍ تُبرّر العجز، وتتحول الهزيمة إلى ثقافة تتوارثها الأجيال، من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة فلسفية حضارية تُعيد قراءة تاريخ الأمم في لحظات ضعفها وانبعاثها، لنفهم كيف يصنع الخنوع مصائر الشعوب، وكيف تحوّل المقاومة الواعية الضعف إلى قوة؟
يرى الفلاسفة أن "الاستسلام في جوهره موقفٌ أنطولوجي من الوجود"؛ إذ يعكس علاقة الإنسان بذاته وبقدراته على التغيير، حين تنحني الأمة أمام القوة الظالمة، فإنها لا تتنازل عن أرضٍ فحسب، بل تتنازل عن معنى الحرية نفسه.
والخنوع هو "استقالة من التاريخ"، وقطعٌ مع الإرادة التي تُنتج الحضارة، وقد ميّز فلاسفة النهضة بين السلام القائم على الكرامة والسلام الناتج عن الخضوع، لأن الأول يفترض التكافؤ والاعتراف المتبادل، والثاني يقوم على الإذعان وفقدان النديّة الإنسانية.
في السياق العربي، صار الخنوع في أحيان كثيرة يُقدَّم بلباس "الواقعية السياسية"، بينما هو في جوهره استسلام فكري ونفسي، وعندما تتجذر هذه الفلسفة في البنية الاجتماعية، فإنها تُفرغ اللغة من معناها، وتحوّل القيم إلى شعارات بلا أثر!
وشواهد التاريخ تمنحنا بعض الدروس الملهمة، حين استُبدلت الكرامة بالاستسلام، نبدأها بدرس "ميونيخ" الأوروبي، فقبل الحرب العالمية الثانية، وقّعت الأطراف الأوروبية "اتفاق ميونيخ عام 1938م تحت وطأة لحظة فارقة في فلسفة الخوف، لقد ظنّ الأوروبيون أنهم بتقديم تنازلاتٍ لزعيم ألمانيا "هتلر"، سيحفظون السلام، لكنهم منحوه شرعيةً تمددت حتى اندلاع كارثة الحرب العالمية.
العبرة الفلسفية لأمة العرب هنا: أن من يضحّي بالكرامة طلباً للأمان يخسر الاثنين معاً، فالخوف لا يُنقذ أمة من الحرب، بل يؤجّلها ويضاعف ثمنها!
وفي القرن التاسع عشر، حين خضعت الصين لمعاهدات الأفيون البريطانية، كانت في الواقع تسلّم مفاتيحها الحضارية للاحتلال الاقتصادي، الضعف المؤسسي والفساد الداخلي جعلا من الإمبراطورية العريقة تابعاً لقوى خارجية، هنا يتحوّل الضعف إلى فلسفة: قبول الاستغلال مقابل استمرار شكلي للسلطة! وقد احتاجت الصين قرناً كاملاً - من الإهانة- لتستعيد وعيها الحضاري وتبني مشروعها الوطني من جديد.
وفي تاريخنا الإسلامي: لم يكن سقوط غرناطة عام 1492م نهاية حكمٍ سياسي فحسب، بل انطفاء مشروعٍ حضاري استمر قروناً، حين تنافرت الإمارات الإسلامية الصغيرة وتنازعت المصالح الضيقة، انفرط عقد القوة وتراجع العلم والفكر، فكان السقوط نتيجة حتمية.
في هذه الحادثة يتجلّى أن الانقسام ليس مجرد خلل سياسي بل انهيار روحي وفكري، يسبق أي سقوط عسكري.
وعندما اجتاح المغول بغداد عام 1258م وأسقطوا الخلافة العباسية، كان ذلك ثمرة تفككٍ طويل في الإرادة المركزية، وصراعٍ داخلي جعل الأمة بلا مناعة، دمار بغداد لم يكن تدميراً لمدينةٍ فقط، بل كان انهياراً لرمز ثقافي وحضاري، تلك اللحظة تشبه موت العقل الجمعي حين يفقد ثقته بذاته!
في القرن العشرين، شكّلت نكبتا 1948 و1967 صدمةً حضارية كشفت هشاشة البنية السياسية والفكرية العربية، فقدت الأمة جزءاً من أرضها لأنها فقدت قبله جزءاً من ثقتها وقدرتها على بناء مشروعٍ موحّد.. ومع ذلك، كانت تلك الهزائم بذوراً لتجارب مقاومة جديدة أكدت أن الإرادة حين تُستعاد، يُستعاد معها معنى الوجود.
التاريخ يُظهر أن كل استسلام يولّد استسلاماً أكبر، لأن فقدان الكرامة يخلق اعتياداً على العجز، حين يتحول الخوف من المواجهة إلى ثقافة، تُصاب الأمة بالشلل الحضاري: تتوقف عن الإبداع، تفقد استقلالها الاقتصادي، وتصبح لغتها انعكاساً لهزيمتها.
أما الأمم التي تتّحد في لحظات الخطر، فإنها تُعيد توليد نفسها من رحم المحن، كما فعلت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أو اليابان بعد هيروشيما.
في المنظور الحضاري، المقاومة ليست مجرد رد فعل عسكري، بل بناءٌ مستمر لقواعد القوة: بناء الإنسان، العلم، الاقتصاد، العدالة، الثقافة، والانتماء، فالكرامة لا تُسترد بالرفض اللفظي، بل بالقدرة على إنتاج البديل.
والعالم العربي اليوم أمام مفترق تاريخي: إما أن يستمر في تجزئةٍ تُعيد إنتاج الخنوع، أو أن يتبنّى مشروع وحدة استراتيجية يقوم على التكامل لا التبعية، فالاتحاد ليس شعاراً عاطفياً، بل قانون حضاري يعبّر عن وعي الذات الجمعي، فالأمم التي استطاعت الحفاظ على كيانها لم تفعل ذلك بالقوة المادية فقط، بل بقدرتها على صياغة معنىٍ مشترك للوجود.
يتطلب هذا التحول رؤيةً فلسفية جديدة ترى في الإنسان العربي قيمةً فاعلة لا تابعة، وتعيد قراءة التراث كطاقة إلهام لا كعبء ماضٍ، وتنظر إلى السلام باعتباره ثمرةَ عدالةٍ وقوةٍ، فالاستسلام ليس قدراً، والخنوع ليس سبيلاً للسلام.
التاريخ والحضارة يعلّمان أن الكرامة الإنسانية لا تُشترى بالأمن المؤقت، وأن الأمم التي تتنازل عن إرادتها تفقد وجودها قبل أن تفقد أرضها وتستقيل من التاريخ!
والأمة العربية، بتراثها الممتدّ من المحيط إلى الخليج، ما زالت تملك أدوات النهوض إن استبدلت ثقافة الخضوع بفلسفة الإرادة، وإن جعلت من الوحدة والتكامل قاعدةً لإعادة إنتاج قوتها الحضارية، فكما يولّد الضعفُ ضعفاً، فإن المقاومة الواعية والاتحاد يولّدان الحرية والكرامة، ويعيدان للأمة موقعها الطبيعي بين الأمم: فاعلةً، حرةً، وصاحبةَ رسالة إنسانية.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. سد النهضة من جديد على طاولة أميركا.. ماذا يريد ترامب؟ | #ستو
.. الجزيرة تستطلع الأوضاع بمخيم الهول بسوريا والذي يضم عائلات م
.. أردوغان: لا وجود لمن يسعى للفرقة بين الأتراك والعرب والأكراد
.. خارج الصندوق | ترمب يرفع الغطاء: رئيس سوريا قوي ومهمة قسد ان
.. خارج الصندوق | دمشق تكذب قسد.. والعليمي يتوعد رؤوس الإرهاب