الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


سُرّة العالم التي لا تسقط، غزة… المدينة التي تُولد من رمادها

نهاد السكني

2025 / 11 / 5
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


غزّة: سُرّةُ العالم التي لا تسقط
غزة ليست مدينة.
غزة حالة.
حالة صمود، حالة حياة، حالة لا تعترف بالموت.
منذ أن خطّها الكنعانيّون على خريطة التاريخ قبل آلاف السنين، وهي تقف في وجه كل من ظنّ أنه يستطيع محوها.
مرّ الفينيقيون تجارًا، والهكسوس رعاة، والفراعنة ملوكًا، والرومان جيوشًا، والصليبيون حملات، والمغول نارًا، والإنجليز احتلالًا، والصهيونية إبادة...
كلهم جاءوا. كلهم ذهبوا. وغزة بقيت.

غزة هاشم: ممر الأنبياء
من رمالها عبر إبراهيم الخليل عليه السلام في طريقه من بابل إلى أرض كنعان، فبارك الله خطاه.
وفيها مرّ إسحاق ويعقوب ويوسف، وسارت قوافلهم نحو مصر، تحمل رائحة الزيتون واللبان والعنب.
ومن حدودها خرج موسى عليه السلام ومعه العصا التي شقّت البحر في طريق العودة نحو سيناء.
وعلى أرضها مرّ عيسى بن مريم عليه السلام في رحلته من الناصرة إلى مصر، فنزلت عليه السكينة في طريقه إلى الجنوب.
وفي تاريخها الأبعد، دُفن فيها هاشم بن عبد مناف، جدّ النبي محمد ﷺ، الذي سُمّيت غزة باسمه "غزة هاشم"، لتكون أول تربة عانقت جذور النسب النبويّ الشريف.
وقال المؤرخون: “في غزة نام الجدّ، ومنها بدأ النور الذي سيشرق من مكة”.
هنا مرّ الأنبياء جميعًا، ومن هنا مرّ التاريخ نحو القدس.
وفي عصور الإسلام، مرّت بها جيوش عمرو بن العاص في طريقها إلى فتح مصر، وتحت راية صلاح الدين حرّرت طريقها إلى القدس، وفي عهد المماليك والفاطميين والعثمانيين كانت درع الشام الجنوبي وسيفها الذي لا يُغمد.

ولادة من الرماد
في كل مرة يُعلنون فيها أن غزة انتهت، تُولد من جديد:
1929: ثورة البراق، وغزة تقاوم الانتداب البريطاني.
1936: ثورة كبرى، وأهل غزة يرفعون السلاح والمنجل معًا.
1948: النكبة، وغزة تفتح ذراعيها لمئات الآلاف من اللاجئين.
1967: احتلال، وغزة تبدأ انتفاضتها الأولى قبل أن يجفّ حبر الاتفاقيات.
1987: الانتفاضة الأولى، وأطفال الحجارة يكتبون التاريخ بحجر.
2000: الانتفاضة الثانية، وغزة تُعلّم العالم معنى الصمود.
2008، 2012، 2014، 2021، 2023–2025: حروب متتالية، قصف، حصار، جوع...
وفي كل مرة، يخرج طفل من تحت الركام يسأل: "وين أمي؟"
ثم يبتسم.
لأنه يعرف أن غزة لن تموت.

المقاومة بالذاكرة والحياة
لأن غزة لا تقاوم بالحديد فقط،
تقاوم بالذاكرة:
كل بيت في الشجاعية يحمل اسم شهيد.
كل شارع في الرمال يروي قصة حبّ انتهت بزواج تحت القصف.
كل مدرسة في جباليا تُعلّم الأطفال أن الأرض لنا قبل أن تُعلمهم الحساب.
وتقاوم بالحياة اليومية:
امرأة تُعدّ الخبز على موقد من حطبٍ مبلول.
شاب يزرع نعناعًا في علبة تونة فارغة.
طبيب يجري عملية بمصباح هاتف.
معلّم يُدرّس تحت شجرة لأن المدرسة قُصفت.
هذه ليست بطولات استثنائية.
هذه حياة غزة اليومية.

وصفة الكنعاني
عبد الكريم السبعاوي، ابن حارة التفاح، كتب من منفاه في أستراليا:
“احترف الفينيقيون التجارة،
واحترف الهكسوس الرعي،
أما نحن أبناء كنعان فقد احترفنا طرد الغزاة.
إن الكنعاني لا يعرف على وجه التحديد
كم مرة دقّ منجله سيفًا،
وكم مرة دقّ سيفه منجلًا.”
ليست شعرًا، بل وصفة حياة.
في غزة، السيف يتحول إلى منجل، والمنجل إلى سيف، والاثنان معًا يصنعان حياة.

اليوم: بداية جديدة
الآن، ونحن نشاهد غزة تُقصف ليل نهار،
ونسمع أصوات الطائرات قبل أصوات الأذان،
ونرى أطفالًا ينامون في الشوارع لأن بيوتهم أصبحت أنقاضًا...
نحن لا نشاهد نهاية. نحن نشاهد بداية.
كل قنبلة تسقط تُعلّم جيلًا جديدًا أن الأرض لا تُباع.
كل شهيد يُدفن يزرع بذرة مقاومة في قلب طفل.
كل بيت يُهدم يُبنى من جديد في الذاكرة.
غزة لا تنتصر لأنها تملك جيشًا عظيمًا.
تنتصر لأنها تملك شعبًا لا يعرف الاستسلام.

وعد العنقاء
كل غازٍ جاء إلى غزة ظنّ أنه يكتب الفصل الأخير من تاريخها.
لكنه لم يكن يدرك أنه يكتب فقط مقدمة الفصل التالي.
غزة ليست مدينة على الخريطة.
غزة فكرة.
وفكرة لا تموت.
غزة ستولد من رمادها.
ليست أمنية، بل وعد تاريخي،
كُتب بدماء الأنبياء والأجداد،
ويُقرأ اليوم في عيون الأطفال،
ويُكتب غدًا بأيدي الأحفاد.
غزة لا تموت.
غزة تُولد.
كل مرة.
من رمادها.
كالعنقاء.
وكل من يراها يولد من جديد.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحب بين الفلاسفة والشعراء - د. ذوقان عبيدات.


.. مرور الأمين العام محمد نبيل بنعبدالله، في النشرة الإخبارية ا




.. هوية واضحة... ورؤية من أجل مغرب أكثر عدلاً


.. تراث مادبا الحضاري و صراع السرديات - د. عمر الغول




.. بمناسبة الذكرى التاسعة والعشرين لرحيل فقيد الوطن والشعب، الر