الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ليس في الجراب غير الطائفية
سهام يوسف علي
2025 / 11 / 6الفساد الإداري والمالي
في كل موسمٍ انتخابي، يخرج الساسة من خيامهم كالسحرة.
ينفضون الغبار عن جرابٍ عتيقٍ يزعمون أنه مليءٌ بالوعود،
ثم ما يلبث الشعب أن يكتشف أن الجراب هو ذاته:
لا يحمل إلا الرماد، ولا يخرج منه إلا الدخان ، دخان الطائفة الذي يخنق الوطن منذ أن ظنّ أن الديمقراطية يمكن أن تُزرع في أرضٍ لم تجفّ بعد من دم الفتنة.
الطائفية في العراق ليست رأيًا دينيًا ولا خلافًا سياسيًا؛
إنها نظامٌ اقتصادي–اجتماعي متكامل يقوم على مبدأ الغنيمة لا الخدمة،
ويُدار كما تُدار الشركات المافيوية: رأس مالها الولاء، وسوقها الخوف، وربحها الدائم هو استمرار الفوضى.
كل شيء هنا يُقاس بالانتماء قبل الكفاءة.
المناصب تُباع بعملة الطائفة، والمشاريع تُمنح باسم “التوازن الوطني” الذي لا يوازن شيئًا سوى كفة الفساد.
حيث تُفصَّل الوزارات على مقاس الأحزاب،
ويُفصَّل الفقر على مقاس الفقراء كي يبقوا فقراء.
أليس غريبًا أن دولةً بهذه الثروات تُدار بعقلية القبيلة؟
أن يكون رئيس الجمهورية كرديًا بامتياز قومي، ورئيس الوزراء شيعيًا بامتياز مذهبي، ورئيس البرلمان سنيًا بامتياز طائفي،
ثم يُقال لنا إن هذا هو “التنوع الوطني”؟
إنها هندسة دقيقة لتوازن الخراب، تُبقي الجميع راضين بالحصص، وغارقين في اللا دولة.
في هذا المشهد، المواطن ليس سوى دمية صغيرة في مسرحٍ كبير،
يقف في طابورٍ طويلٍ ليمنح صوته لا لمن يمثّله، بل لمن يدفع له أكثر أو يخيفه أكثر.
فالخوف هنا سلعة، والولاء يُشترى بسلال غذائية أو وعودٍ بالوظيفة،
حتى غدت الديمقراطية سوقًا موسمية تُعرض فيها الأصوات بالمزاد،
والزعيم لا يُنتخب لأنه الأصلح، بل لأنه الأقدر على تمويل الخوف وتسويقه.
لقد تحوّل الخوف إلى رأسمالٍ سياسيٍّ ضخم،
والفقر إلى وسيلةٍ ناجعة لتثبيت النفوذ،
فمن يملك المال يملك الولاء،
ومن يملك الخوف يملك الناس.
ولأن كل سلطةٍ طائفية تحتاج إلى اقتصادٍ طائفيٍّ يحميها،
تحوّل النفط إلى عملةٍ للولاء السياسي،
والمنافذ الحدودية إلى مزارع مالية للميليشيات،
والعقود الحكومية إلى غنائم توزّع تحت الطاولة.
حتى البنك المركزي لم يسلم من روح المحاصصة،
فصار المال العام يُدار كغنيمة مقدسة لا كأداة لبناء الدولة.
لقد صُنع وعيٌ عام يربط الاستقرار ببقاء الفساد،
ويُقنع الناس أن الطائفية “ضرورة” لحفظ الأمن.
اليوم، لا يسأل العراقي متى تتحسّن الأمور،
بل متى كانت على ما يرام أصلًا؟
فمنذ أن قُسّمت الدولة على مقاسات الطوائف،
أُقصي أصحاب الكفاءة والمعرفة،
وصار الخبير عبئًا على النظام، والمستقل خطرًا على التوازن.
حتى أصبح الوطني في العراق بلا وظيفة ولا حزب ولا صوت،
غريبًا في وطنٍ قُسّم اسمه بين المذاهب.
إن أخطر ما في الطائفية أنها تُميت الفكرة لا الإنسان فقط؛
تُميت فكرة المواطنة، وفكرة العدالة، وفكرة الدولة.
وحين تموت هذه الأفكار، يصبح الوطن خيمةً بلا أعمدة،
تتّسع لكل شيءٍ إلا للكرامة.
فيا أيها الذين ما زالوا يفتشون في الجراب عن أمل،
اعلموا أن الجراب خاوٍ،
وأن مَن يمسكونه لا يريدون أن يملؤوه إلا بما يُبقيهم على الكراسي.
أما الوطن… فصار هو الثمن المدفوع في كل صفقة،
والحلم المؤجل إلى إشعارٍ آخر.
ليس في الجراب غير الطائفية،
ولا في السياسة غير إعادة تدوير الخراب،
ولا في الناس ، بعد كل هذا ، إلا صبرٌ أُفرغ من معناه.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. صفارات الإنذار تدوي في الكويت والدفاعات الجوية تواجه -هجمات
.. استشهاد 3 فلسطينيين بقصف مدفعي إسرائيلي على حي الزيتون بغزة
.. مضيق هرمز بين الدبلوماسية والتصعيد.. قصة انهيار التفاهمات
.. ماذا حدث في أربيل؟.. القصة الكاملة للهجوم على القنصلية الأمي
.. عون في واشنطن.. هل يحمل مفتاح الاتفاق بين لبنان وإسرائيل؟