الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


هل نملك الشجاعة لمراجعة ثقافتنا السائدة؟

أكرم شلغين

2025 / 11 / 6
قضايا ثقافية


تحدّث صديق يعيش في المهجر عن الإشكال العميق الكامن في الفرق بين أداء الفرد في مجتمعاتنا الشرقية، ذات الخصوصية "الثقافية" والأدق أن نقولها بوضوح "الدينية الثقافية" لأن كليهما متداخل ومترابط، وبين أدائه حين يغادر إلى بيئة أخرى تقوم على مبادئ الحرية والعقلانية والمساءلة.
لقد لاحظ، كما لاحظ كثيرون، أن الإنسان الذي ولد هنا وتشكل وعيه في فضاء الخوف والمقدس والعادة، يتحول هناك إلى إنسان آخر: أكثر عقلانية، أكثر ثقة بنفسه، أكثر إيمانا بالمجتمع وبالقدرة على التغيير.
فهل تغيرت جيناته بمجرد عبوره الحدود؟ أم أن ما تغير هو الهواء الذي يتنفسه، والفضاء الذي يتيح له أن يفكر بلا قيد؟
وهنا بيت السؤال المؤلم:
هل نملك نحن شجاعة الدخول إلى أعماق ثقافتنا لنسائلها بصدق؟
هل نستطيع أن ننظر في مرآتنا الحضارية دون أن نكسرها خوفا من أن تكشف ملامحنا الحقيقية؟
في مجتمعاتنا، نمارس نوعا من “التحنيط الثقافي” لأنفسنا. نقدس الماضي لا حبا في الجذور، بل خوفا من الأسئلة. نكرر الشعارات عن الأصالة والهوية، لكننا نتحاشى الغوص في معناهما. كأننا نعيش ما سماه المفكر المغربي عبد الله العروي "الوعي الشقي بالتاريخ"؛ وعي يعرف أن الزمن تغير لكنه يصر على التمسك بمفاهيم لم تعد صالحة إلا كرموز.
لا بأس أن نقلها بوضوح بأن الشجاعة الفكرية الحقيقية لا تكمن في الدفاع عن الموروث، بل في القدرة على مساءلته. مرة قال محمد أركون :" المجتمعات لا تتقدم إلا حين تجرؤ على تفكيك المقدّس دون أن تهدم الإيمان". وهذا بالضبط ما ينقصنا: أن نفرق بين نقد البنية الثقافية ونقض الإيمان نفسه، بين احترام العادات وبين تحويلها إلى قيود أبدية. وكذلك، لعل ما قاله طه حسين في "مستقبل الثقافة في مصر" ما يزال صالحاً اليوم: "نريد أن نتعلم كيف نفكر، لا أن نفكر كما كان يفكر الناس قبل ألف عام." ولا بأس في اقتباس من نتعلم منهم كالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط إذ لخص جوهر التنوير في قوله: "التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه." وقصورنا اليوم لا يعود إلى عجز في العقل، بل إلى رهبة من طرح الأسئلة الكبرى، تلك التي تمس الدين والعادات والتقاليد والسلطة معا.
لقد آن لنا أن نخرج من هذا القصور الثقافي الطوعي، بأن نعيد النظر في المسلمات التي صارت تقدس أكثر من النصوص نفسها. فحين نمتلك الجرأة على نقد أنفسنا، لا بدافع الهدم بل رغبة في البناء، عندها فقط يمكن أن تبدأ “جرثومة التطور” التي تحدّث عنها صديقي بالعمل في بيئتنا نحن، لا في المهجر فحسب. أتذكر ما قاله نزار قباني: "الحرية أن لا نخاف، والكرامة أن لا نكذب على أنفسنا." فهل نملك شجاعة الحقيقة؟
أم سنبقى نغني لأنفسنا أننا بخير، بينما تتسع الهوة بيننا وبين العالم كل يوم؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كيف تفاعل الداخل الإسرائيلي مع زيارة نتنياهو إلى واشنطن.. ما


.. القهوة والشاي.. ما هي فوائدهما للصحة؟ • فرانس 24 / FRANCE 24




.. لقاء ترامب ونتنياهو.. هل اتسع الخلاف غير المعلن حول إيران؟ |


.. كتابات مناهضة لزيارة الرئيس الإسرائيلي على جدران جامعة ملبور




.. الجزيرة ترصد جهود فرق الإجلاء الأوكرانية في زابوروجيا