الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
برلمان بلا بوصلة: حين يتحول المنصب إلى غاية في ذاته
جورج منصور
2025 / 11 / 6مواضيع وابحاث سياسية
ما الجدوى من ترشيح شخصيات تفتقر إلى أدنى مقومات الخبرة السياسية أو العلمية أو الاجتماعية لشغل مقاعد البرلمان العراقي؟ سؤال مؤلم يعود إلى الواجهة مع كل دورة انتخابية، وكأن الذاكرة الجمعية للبلاد قد استسلمت لثقافة الفشل، عاجزة عن استخلاص العبر من تجارب الماضي المريرة.
فعندما يُفتح الباب على مصراعيه أمام من يفتقرون إلى الكفاءة والرؤية، يتحول المقعد البرلماني من أداة للتغيير وخدمة الصالح العام إلى مجرد وسيلة للوجاهة الاجتماعية، أو بوابة لتعزيز النفوذ وجني المكاسب. عند هذه النقطة، تنقلب المعادلة رأساً على عقب: فالمنصب لم يعد وسيلة لخدمة الوطن، بل أصبح غاية شخصية بحد ذاتها.
ولا تكمن المشكلة في ضعف الأفراد فحسب، بل هي بالأساس خلل هيكلي في المنظومة السياسية التي تنتجهم، وعلّة في البيئة الاجتماعية التي تسمح بظهورهم وصعودهم. فالأحزاب والنخب النافذة، بدلاً من أن تفتش عن الكفاءات والعقول القادرة على البناء، تفضل الاصطفاء على أساس معادلة "الولاء قبل الكفاءة"، مما ينتج مرشحين جاهزين للطاعة لا للتفكير، ومطيعين للخط الحزبي لا مستقلين في قرارهم.
شعبوية الطريق إلى البرلمان
في هذا المشهد المشوّه، يغدو الخطاب الشعبوي أقصر الطرق إلى قلب الناخب. فتذوب البرامج الوطنية الواضحة في بحر من الوعود الجوفاء والعاطفية، وتُستبدل لغة المصلحة العامة بخطابات طائفية وعشائرية تثير النعرات بدلاً من أن تبعث على الأمل. وعندما يمتزج المال السياسي غير المشروع بالخطاب الديني والعشائري المؤدلج، تنجب العملية الانتخابية برلماناً لا يعكس إرادة الناخبين بقدر ما يمثل مصالح من موّلوا الحملات ووصلوا المرشحين إلى مقاعدهم.
نتائج محتومة وفساد متجذر
والنتيجة ليست مفاجئة لأحد: تشريعات مرتجلة وضعيفة، وفساد إداري ومالي يتغلغل في مفاصل الدولة، وعجز مؤسسي عن مراقبة الأداء الحكومي أو محاسبة الفاسدين والمقصرين. أما النواب "غير المؤهلين"، فيجدون أنفسهم – بلا أدوات – داخل منظومة فاسدة مغلقة، حيث يصبح الخيار الوحيد للبقاء هو الاندماج في لعبة الفساد أو على الأقل التغاضي عنه. وهكذا يتحول المنصب من موقع لخدمة الشعب إلى سُلّم للامتيازات الشخصية، وأداة لتقاسم النفوذ والمناقصات.
الخطر الأعظم: تطبيع الفشل
ربما يكون أخطر ما في هذا المشهد هو "تطبيع الفشل"، أي تحويل حالة العجز والتردي إلى أمر واقع لا فكاك منه. فعندما يرى المواطن أن برلمانه يزدحم بأسماء بلا مشروع، وأشباح بلا رؤية، فإنه لا يفقد الثقة في المؤسسة فحسب، بل يفقد إيمانه بجدوى الديمقراطية نفسها. عندها، يتحول الاقتراع من حق مقدس لتغيير الواقع إلى طقسٍ شكلي بلا روح ولا معنى.
خلاصة القول، لا يمكن بناء دولة مؤسسات حديثة ببرلمان يُبنى على الصدفة والولاءات الضيقة. ولن يتحقق التغيير المنشود ما لم تُستبدل معايير الاصطفاء القديمة بقاعدة راسخة: "المقدرة والكفاءة هما المعيار الوحيد لشغل المقعد".
فالديمقراطية الحقيقية ليست مجرد صناديق اقراع يُلقى فيها بالأصوات، لا بل هي في الكفاءة والنزاهة. وبدون ثقافة راسخة، ومسؤولية عظيمة، ومعيار واضح، سيظل العراق يدور في حلقة مفرغة من التغيير الشكلي، حيث تتبدل الوجوه ويبقى الخلل قائماً.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. في اليوم العالمي للإذاعة.. هل ما زلت تستمع إلى الراديو؟
.. هل ما يجري في الضفة مرتبط بالانتخابات الداخلية في إسرائيل أم
.. كيف يمكن تقييم التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية؟
.. محادثات وزير الخارجية السوري وقائد قوات سوريا الديمقراطية مع
.. باحث ومؤرخ فلسطيني للجزيرة: سنصلي على بوابات الأقصى ولو منعن