الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
نردد نشيد الحرّية في صمت الجبال الكوردية
بوتان زيباري
2025 / 11 / 6القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
في زحام الأيام التي رحلت، وحُلمُ الخلافة السوداء يفترّ كالظل عند أطراف قريةٍ الباغوز، تهدّأ النفس فاعتقدت أنّ الرعب قد سلّم سلاحه وارتمى في النسيان. لكن من يمشي اليوم على تراب الرقة المهشّم، أو يتجوّل في خيمة الشتات بمحاذاة الحسكة، يدرك أنّ الإرهاب لم يعطِ نفسه استراحة، بل تغيّرت أدواره وتنكّرت أنفاسه. صار همساً في الفجر، ووجوداً مكثفاً في فراغٍ أشدّ فتكاً من زحف الجيوش العارية. وأينما انصرف البصر الدولي، زحف الفكرُ على خفايا الإخلال. وفي ذلك الفراغ، انطلق جيلٌ جديد؛ أطفالٌ لم يعرفوا بعد حروف الهجاء، ومع ذلك يردّدون شعارات آبائهم، فتنكشف الحقيقة: الإرهاب ليس مشروعاً عسكرياً فحسب، بل صيغة نفسية وثقافية واجتماعية تُروى من جفاف الأمل وقلة الثمر.
ومن بين ثنايا هذا المشهد، يتجلّى سؤال فلسفي عميق في هوية الكورد ووعي الإنسان معاً: كيف ينطلق الإنسان صوب تنظيمٍ يرتكز على القسوة المطلقة، قادرٍ على السحل والقتل والاستعباد بلا ذرة خجل أو ندم؟ إن الجواب لا يكمن في حبل العقيدة وحده، بل في سيل عاطفة جارف يقوده إلى الفراغ، وإلى البحث عن معنى حين تُفقد الأرض المعنى. في حفرة الفراغ، يقف التنظيم ليمنح هوية مفقودة، جماعة تحتضن اليأس، ومعنى يملأ حياةً بدت بلا قيمة. ويحطم الآخر من إنسانيته، يحوّله إلى شيءٍ يستحق الموت، أو يُقدّم له ذلك على أنه خلاص. وهكذا تراها شباب العراق وسوريا، نشؤوا في دورةٍ لا نهاية لها من الفقر والمهانة والحروب التي فَتّتت نسيج وجودهم، وجعلت مصيرهم معلّقاً في انتظارٍ لا يفي. وفي هذا المشهد الممزّق، تُقدّم أيديولوجيا الرعب بريقها الزائف: القوة، والاصطفاء، والنقاء، وتشرح لهم بساطة عذاباتهم: «اللوم على الآخر، على الغرب، وعلى الخونة الطغاة».
ولننظر، يا صديقي، إلى تجربة الكورد: هذا الشعب الذي عاش منذ قرونٍ في جبالٍ وأوديةٍ محدّقة، بين أعالي زاغروس وامتداد جبال طوروس، بين نهري دجلة والفرات. لقد اقتطع التاريخ قطعةً من أرضه، قسمها أربع جهات، فبقي الشعب متحدّاً بروحه قبل حدود ترسّخها دولٌ ومِنحنيات جيوسياسية.
في هذا التقسيم نشأت هويةٌ كوردية صامدة، تنجو رغم المنع والاحتواء: ففي فترةٍ من الفترات منعوا لغة الكورد من أن تُعلَن، وقال البعض إنّها لُغةٌ تحتضر.
فكانت الكلمة الكوردية، والنشيد، والدفعة الفولاذية للغة، قبل أن تكون أرضاً أو سُلطة، بمثابة مقاومةٍ صامتة. وها هي أرواح الكورد تتذكّر في كل «بَاكور» و«باشور» و«روجافا» و«روجهلات» أنّ الحدود التي فرضها الآخر، لم تكن سوى حدودٌ في ذهنٍ، وأنهم كانوا وما زالوا يقيمون وطنهم في اللغة، في الجسد، في الوجع والأنشودة معاً.
ولأنّ الكورد عايشوا تجارب الانتماء والانقسام والمعاناة، فقد كان بحثهم عن الكرامة بمثابة نهج وجوديّ: فبين ثوراتٍ صغيرة مثل جمهورية مهآباد (1946) التي لم تدم طويلاً لكنها وضعت حجر الأساس لهوية كوردية حديثة،
وبين مقاومة اللغة والقرى والهوية، قام كوردٌ يحفر بحروفه قصةً لا تُمحى. إنّ ما علينا فهمه هو أنّ تجربة الكورد تعلّمنا أنّ الهوية ليست ورقة تُطوى، بل جرحٌ وشجرة تُروى، وأنّ الوجعَ حين يُعاد بناؤه بكرامة، يصبح سلاحاً أكثر فتكاً من الرصاص.
في هذا الرّهاب الكامن بين الصفحات، ترصد التنظيمات الإرهابية كيف يستعيد الإنسان معنىً مفقوداً ويحوّله إلى ذهنية موت. لكن الكورد يعلمون — لأنهم عاشوا الحصار، والملاحقة، ونَفي اللسان — أنّ المعنى يُبنى ليس من الهيمنة، بل من الكرامة: من تعليمٍ يُحرّر، وعدالةٍ تُعيد، وجرحٍ يُدارى وليس يُنسى. إنّ كوردستان لم ترمِ سيفها في الأرض مرّةً، بل رفعت كلمتها في الجبال والوديان، فحينما يُقتل الأب، يُزرع الابن حكمةً في البذرة، وحينما تُدمّر قرية، يُقام النشيد في قلب الطفل.
وها نحن اليوم، وسط هذه العتمة التي لا تعرف إلا أن تزرع الخوف، نقف أمام مهمة إنسانية وكوردية معاً: أن نُعيد بناء الكرامة في نفس الإنسان، أن نُعيد لروحه معنى لا يسلمه للذئب القاسي. إنّ الإرهاب ليس غريباً عن روح البشر، بل هو أفقٌ مظلم ينمو من ضعفهم، من شعورهم باللاجدوى، ومن عزلتهم، كما علّمتنا تجارب الكورد. ولأنه إنساني، يُمكن أن يُهزم بوسائل إنسانية: لغة تتحدّث القلب، تعليم يحرّر العقل، عدالة تردّ الاعتبار للإنسان، وأن نرى في الآخر إنساناً. لأنّه حيثما تنمو الكرامة، يموت الإرهاب، وعندها تشرق شمس كوردستان في روح الإنسان الحرّ.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. هل ما زالت احتمالات الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق غز
.. محافظة القدس: اقتحام نتنياهو حائط البراق تزامنا مع عيد الحان
.. خارج الصندوق | بعد رفض واشنطن.. العراق: مشاركة الفصائل في ال
.. السلطات الكمبودية: غارات تايلاندية قرب مركز إيواء حدودي
.. الدفاع التايلاندية: استعدنا 4 من 19 موقعا متنازعا عليها