الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لماذا لا نملك -لي كوان يو- عراقياً؟
سهام يوسف علي
2025 / 11 / 7الفساد الإداري والمالي
حين نقرأ سيرة لي كوان يو، لا نقرأ عن بطل أسطوري، بل عن قائد امتلك الإرادة والرؤية والانضباط في زمن كانت بلاده غارقة في الفقر. الرجل الذي عاش متقشفاً في بيت متواضع، قاد سنغافورة من مستعمرة فقيرة بلا موارد إلى واحدة من أكثر الدول انضباطاً وكفاءة في العالم.
اليوم، بعد أكثر من عقدين على النظام السياسي العراقي الجديد، يُطرح السؤال المؤلم: لماذا لم ننتج زعيماً واحداً يشبهه؟ الإجابة ليست لغزاً، بل مرآة لما أصبح عليه النظام السياسي والوعي العام في العراق.
سنغافورة وُلدت من فكرة الدولة الحديثة، بينما العراق بعد 2003 وُلد من رحم المحاصصة. لي كوان يو أسس مؤسسات تحاسب الجميع، أما في العراق فالمحاسبة تخضع للصفقات والتوازنات. في سنغافورة يُقال الوزير عند أول خطأ، وفي العراق يُعاد تعيينه مستشاراً بعد فشله. بهذه القواعد لا تُبنى دولة، بل تُدار غنيمة يتداولها المتنفذون.
كوان يو عاش حياة متواضعة، ولم يترك قصراً ولا نصباً لنفسه، وكان يقول: “ابحثوا عن نصبي في كل زاوية من سنغافورة.” أما في العراق، فالنائب يتقاضى نحو سبعمائة ألف دولار كمخصصات سكن وحماية خلال الدورة الواحدة، فيما يعيش ثلث الشعب تحت خط الفقر. حين تتحول الدولة إلى وسيلة للثراء، لا يمكن أن تنتج زعماء، بل منتفعين يحمون امتيازاتهم بكل وسيلة ممكنة.
في التجربة السنغافورية، المناصب تُمنح للأكفأ وتُدار الدولة كمنظومة أداء ونتائج. في العراق، المنصب مكافأة حزبية، توزع بحسب الولاء لا الكفاءة، فتتحول الوزارات إلى مكاتب حزبية، وتُختزل الدولة في نفوذ زعيم أو كتلة، وهكذا تموت الكفاءة، وتُستبدل لغة الإصلاح بعبارات المظلومية والمجاملات.
سنغافورة بلا نفط، لكنها بنت اقتصاداً صناعياً وخدمياً متطوراً. العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم، ومع ذلك يعيش أزمات مالية وخدمية متكررة. الفرق في القيادة لا في الثروة، فالمسؤول في العراق يتقن تبرير الفشل بالعبارات نفسها: “الظروف صعبة، الوضع الإقليمي، المؤامرة الخارجية”. لكن الأعذار لا تبني دولاً، ولا تحفظ كرامة شعبٍ أنهكته الوعود.
لي كوان يو لم يُفرض على شعبه، بل خرج من إرادة عامة أرادت الإصلاح والانضباط. أما في العراق، فالانتخابات تعيد إنتاج نفس الطبقة، لأن الناخب نفسه لم يتغيّر، يصوّت بدافع الولاء أو الخوف أو المال السياسي، ثم يلعن النتائج ذاتها. والانتخابات تقترب، والوجوه نفسها تعود بخطابات جديدة وشعارات قديمة.
ويبقى السؤال معلّقاً: لماذا لا نملك "لي كوان يو" عراقياً؟ الجواب المؤلم أن هذا الزعيم لن يظهر في بيئة تكافئ الفاسد وتقصي الكفء. لن يظهر “منقذ” في وطن يمنح صوته للفاشل ثم يندم بعد التصويت. سنغافورة رفعت دخل المواطن من خمسمائة دولار إلى ثلاثة عشر ألفاً خلال ربع قرن، أما العراق فرفع فقط دخل طبقته السياسية. وما لم يتغير وعي الناخب، فلن يتغير شكل الحكم، ولا مصير البلاد.
---
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. ألمانيا تمنع تأجير الأرحام.. فكيف أصبح وزير ألماني مثلي أباً
.. لماذا تأجل اجتماع لبنان وإسرائيل؟ وما العقد التي تعطل الاتفا
.. وصول الأرجنتين لنيوجيرسي وعودة يامال تدعم إسبانيا وسط مخاوف
.. شبكات - الأرجنتينيون يؤيدون إسرائيل أم فلسطين؟
.. فوق السلطة 501 - لماذا أحبت الشعوب الأمير الوالد؟