الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الكاش يبتلع السياسة: كيف غذّى اكتنازُ 90 تريليون دينار فوضى تمويل الانتخابات العراقية لسنة 2025؟

عامر عبد رسن

2025 / 11 / 7
الادارة و الاقتصاد


يدخل العراق انتخاباتٍ نيابيةً حاسمة وسط ظاهرةٍ نقديةٍ غير مسبوقة: إذ ساعد وجود قسمٌ ضخم من النقود العراقية خارج الجهاز المصرفي، على فوضى تمويل غير مسبوقة ، مما يُضعف أدوات الرقابة على حركة الأموال ويُعقّد ضبط تمويل الحملات.
تقديرات البنك المركزي وتقارير السوق تُجمع على أن عشرات التريليونات من الدنانير مكدّسة لدى الجمهور وخارج المصارف؛ وهي بيئة مثالية لتدفق “مالٍ انتخابي” صعب التتبّع، خصوصًا عندما تُدار الإنفاقات نقدًا وبعيدًا عن الحسابات البنكية .
1) كُتلة نقدية هائلة… خارج المصارف : يوضح البنك المركزي في تقارير الاستقرار النقدي لعام 2024 أن العملة المتداولة خارج المصارف ظلّت عند مستويات مرتفعة جدًا مع تراجع طفيف لا يحجب حجم الظاهرة (تراجع بنحو 1.3% على
أساس سنوي بالربع الرابع 2024). جوهر المشكلة ليس الحجم فقط، بل وزن النقد خارج المصارف ضمن M1 بما يقلّل فاعلية السياسات ويُبقي التعاملات الكبرى خارج التتبّع المصرفي. وفي قراءات السوق، قدّر خبراء محليون حجم النقد لدى
الجمهور بحدود 88–90 تريليون دينار من أصل قرابة 98 تريليون دينار نقد مُصدَر، أي أن معظم المعروض “يدور بالكاش
المحصلة: عندما تكون النقود خارج الحسابات، تختفي السلسلة الورقية (Audit Trail)؛ فتضعف قدرة المفوضية، والقضاء، وهيأة النزاهة، ومنظمات الرقابة على تتبّع مصادر الإنفاق الانتخابي ومساراته.
2) كم صُرف على الحملات في 2025؟ أرقام صادمة… ومتباينة :
a. تقديرات الاقتصادي منار العبيدي: إجمالي الإنفاق على الدعاية والحملات لا يقل عن 4 تريليونات دينار (أي ما يقارب 3 مليارات دولار). التقدير حَظِيَ بتغطية متطابقة تقريبًا في أكثر من وسيلة إعلام عراقية.
b. تقديرات أعلى ذهبت إلى نطاق 11 تريليون دينار عند احتساب مرشحين يفوق عددهم 7900 مرشحًا وسقوف إنفاق مجمَّعة على مستوى التحالفات؛ مع الإشارة إلى أن هذه التقديرات “قصوى” وتفترض وصول الجميع إلى السقف.
ملاحظة منهجية: هذه تقديرات سوق/خبراء وليست كشفًا حكوميًا رسميًا؛ لكنها، مع تكرارها عبر منصات مستقلة، تقدّم صورة اتجاهية متسقة بأننا أمام سباق انتخابي مكلف تاريخيًا.
3) قواعد على الورق… وكاشٌ يتفلّت من الرقابة : المفوضية العليا المستقلة للانتخابات (IHEC) أصدرت تعليمات لِـسقف الإنفاق يُحسب غالبًا على أساس مقدار معيّن (250 دينارًا لكل ناخب في الدائرة)،
وحظرت التمويل الأجنبي وأموال المؤسسات العامة والمصارف الحكومية؛ بل وأعلنت عن غرامات بحق مرشحين وتحالفات خالفوا التعليمات. لكن التنفيذ هو بيت القصيد: عندما يتم التمويل والصرف نقدًا، تتحول القيود إلى نصوص صعبة الإنفاذ.
الأمم المتحدة (يونامي) شددت مبكرًا على “حرية وعدالة وشفافية” الاقتراع، لكنّ شفافية المال الانتخابي تحديدًا تتعثر حين تنقطع العلاقة المصرفية ويغيب الإفصاح البنكي.
4) لماذا يغذّي “اقتصاد الكاش” شراء الأصوات وتشويه المنافسة؟
• تفوق غير عادل لمن يمتلك مخزون سيولة ضخم أو شبكات تمويل نقدي.
• تعذّر التتبع القانوني: صعوبة ربط الإنفاق بمصدره، لأن لا تحويلات مصرفية ولا إيصالات محترفة.
• تلاشي الردع: حتى مع وجود سقف إنفاق وغرامات، يصبح التطبيق انتقائيًا عندما لا توجد أدلة محاسبية كافية.
• أثر سياسي تراكمي: المال النقدي يعزز شبكات الزبائنية والولاءات اللحظية على حساب البرامج والسياسات. وقد وصفت تقارير صحفية مشهد 2025 بأنه “انتخابات المال لا البرامج”.
وتحذّر وكالات دولية من اتهامات شراء الأصوات والعنف السياسي ترافق سباق 2025، وهي بيئات يتضخم فيها أثر المال غير الخاضع للمصارف .
5) الفجوة بين السقف والواقع: أين الخلل المؤسسي؟
a. ضعف البصمة المصرفية: محدودية مدفوعات رقمية وإلزامية استخدام الحسابات الرسمية.
b. قصور الإفصاح الإلزامي: لا تُنشر على نطاق واسع كشوفات مصادر التمويل والإنفاق بتنسيقٍ موحّد وقابل للتدقيق العام.
c. تعدد جهات الرقابة دون تكامل قواعد البيانات (المفوضية، النزاهة، القضاء، ديوان الرقابة).
d. سلوك نقدي مجتمعي تاريخي يفضّل الكاش ويستسهل الدفع خارج المصارف.
e. نافذة دولارية وتشدّد امتثال أدّيا إلى تحوّط نقدي أعلى داخل السوق (قيود على بعض البنوك بالدولار، وتصفية تعاملات مثيرة للشبهات)، ما زاد التفضيل للنقد المحلي في معاملات سياسية/انتخابية حساسة.
6) ما العمل؟ مسارٌ ثنائي: تجفيف المنبع + توثيق المصب
أ) تجفيف “منبع الكاش الانتخابي”
1. إلزامية الحساب الانتخابي المخصص: فتح حسابٍ مصرفي واحد مُعلن لكل مرشح/تحالف، تمر عبره كل الإيرادات والنفقات؛ أي دفعات نقدية تُعدّ مخالفة جسيمة.
2. منع المشتريات النقدية فوق حدٍّ متدنٍ (مثلاً 250 ألف دينار للدفعة الواحدة)، مع فاتورة إلكترونية إلزامية.
3. دمج أدوات الدولة: ربط تعليمات المفوضية بمنصة بلاغات مالية فورية بين (المفوضية/النزاهة/ديوان الرقابة/البنك المركزي) لتجميد أي تدفقات مشبوهة.
ب) توثيق “المصب” (من أين جاء المال؟ وأين أنفق؟)
1. إفصاح أسبوعي علني خلال الحملة: كشف مختصر يُنشر على موقع المفوضية لكل مرشح/تحالف (إيرادات/مصروفات/مانحين/موردين).
2. مراجعة لاحقة إلزامية (After-the-fact Audit): تقرير مُراجع قانونيًا خلال 30 يومًا من الاقتراع؛ عدم الامتثال = إبطال مقعد أو غرامات رادعة.
3. تغليظ العقوبات: رفع الغرامات لتساوي ضعف التجاوز عن السقف + شطب لاحق من الترشيح لدورة واحدة على الأقل.
ج) تحويل الكاش المكتنز إلى تمويل شرعي معلن (دور صندوق تنمية العراق) ؟
1. منتج اكتتاب وطني قصير الأجل (3–6 أشهر) بعائد جذّاب يُطرح بالدينار، ليُشجّع الجمهور على إيداع مدّخراته بدل ضخّها نقدًا في الحملات.
2. أذون ادّخار للأفراد تُباع رقميًا عبر المحافظ البنكية بعائد مرن وسيولة جزئية، فتتحول مدخرات “تحت الوسادة” إلى أصول حكومية مُحصّنة.
3. شرط الشفافية: تنشر المنصّة لوحة قياس شهرية عن صافي التحول من “عملة خارج المصارف” إلى “اكتتابات وطنية” تموّل مشروعات تحويلية حقيقية (بتروكيمياويات، أسمدة، بنى لوجستية)،
فتنتقل السيولة من شراء الولاءات إلى بناء الأصول.
خاتمة : انتخابات نزيهة تحتاج مالًا نظيفًا يمكن تتبّعه. ما دام 90 تريليون دينار خارج المصارف، ستظلّ قدرة الأجهزة الرقابية على ضبط المال الانتخابي محدودة، مهما اشتدت التعليمات. الطريق الواقعي يجمع بين تجفيف الكاش الانتخابي
عبر إلزامية الحسابات والمعاملات المصرفية حصراً، وشفافية الإفصاح الأسبوعي، وتحويل سيولة الاكتناز إلى أدوات ادّخارية وطنية عبر صندوق تنمية العراق. عندها فقط يصبح شعار “انتخابات البرامج” ممكنًا في وجه “انتخابات المال”.

المصادر الاعلامية والمؤسسات للمقال : إذ تم اعتماد نشر المصادر والأرقام الموثقة في هذا المقال بهدف تعزيز المصداقية العلمية والدقة التحليلية. فالحديث عن الإنفاق الانتخابي والكتلة النقدية في العراق يتطلب الاستناد إلى بيانات رسمية وتقارير
إعلامية موثوقة لتجنب الانطباعات الشخصية أو التقديرات غير المدققة. إن إدراج المصادر الإخبارية العراقية المعروفة، إلى جانب أرقام البنك المركزي والتقارير الرقابية، يتيح للقارئ التحقق من المعلومات ومراجعة خلفياتها، ويؤكد أن التحليل مبني
على حقائق قابلة للتدقيق لا على اجتهادات أو آراء. بهذا نضمن أن النص يعكس التزامًا مهنياً بمعايير البحث والتحقق والشفافية في عرض الوقائع الاقتصادية والسياسية. ، وكما يلي :
1. البنك المركزي العراقي: تقرير الاستقرار النقدي – الربع الرابع 2024 (يوثّق تغير العملة المتداولة خارج المصارف). (البنك المركزي)
2. شفق نيوز: محمود داغر يقدّر النقد لدى الجمهور بـ88–90 تريليون دينار من أصل ~98 تريليون نقد مُصدر.(شفق نيوز)
3. Ultra Iraq / أجیال / شفق: تقديرات إنفاق الحملات 2025 لا تقل عن 4 تريليونات دينار. (Ultra Iraq)
4. BasNews / الجبال: تقديرات قصوى تصل إلى 11 تريليون دينار عند احتسابات سقوف موسعة. (BAS News)
5. Rudaw / بغداد اليوم / واع: تعليمات المفوضية لسقف الإنفاق وقواعد التمويل. (rudaw.net)
6. UNAMI: التذكير بمعايير الشفافية والنزاهة في الإعداد للاقتراع. (The United Nations in Iraq)
7. رويترز / AP: سياق انتخابي متوتر وتقاارير عن شراء أصوات وعنف سياسي يفاقمه المال السياسي. (Reuters)








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. سيناريوهات أسعار النفط بعد إغلاق هرمز وعودة


.. قراءة اقتصادية.. أزمة هرمز تهدد الأسواق العالمية وتنعكس على




.. برفقة 12 وزيرا.. رئيس الوزراء الفرنسي يبدأ زيارة إلى المغرب،


.. قراءة اقتصادية | كيف يؤثر إغلاق هرمز على حركة السفر في أوروب




.. رئيس وزراء العراق في واشنطن.. شراكة اقتصادية وضغوط لحسم ملف