الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ظاهرة الانتحار في إقليم الأهواز: بين القهر القومي والتدهور الاقتصادي

جابر احمد

2025 / 11 / 8
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير


شهدت المناطق العربية في إقليم الأهواز في الآونة الأخيرة تصاعدًا مقلقًا تمثّل في حالات الانتحار أو محاولات الانتحار، وذلك نتيجة تراكمات اجتماعية واقتصادية وسياسية خانقة يعيشها المواطن العربي في ظل سياسات النظام الإيراني.
فخلال أقل من شهرين فقط، أقدم شابّان أهوازيان على إحراق نفسيهما بالبنزين؛ الأول نتيجة إهانة علنية من قبل أحد المسؤولين المحليين، والثاني بعد أن قامت قوات الأمن بهدم “دكّته – أو كُشْكه” الذي هو مصدر رزقه الوحيد، والاعتداء على والدته وزوجته اللتين حاولتا منعهما من تنفيذ القرار الجائر.
هذه الحوادث ليست معزولة، بل تعبّر عن أزمة عميقة تزداد تفاقمًا يومًا بعد يوم في المجتمع العربي الأهوازي.

أما الأسباب الكامنة وراء تصاعد ظاهرة الانتحار فيمكن إيجازها بما يلي:
• القهر القومي والتهميش الممنهج
تعمّق هذا القهر في عهد الجمهورية الإسلامية عبر إقامة السدود وحرف مجرى الأنهار إلى العمق الإيراني، مما أثّر على القطاع الزراعي ودمّر البيئة، ودفع المواطن العربي إلى الهجرة نحو المدن بحثًا عن تدبير قوت يومه.
وقد ساهم ذلك في زيادة حجم البطالة بين صفوف المواطنين العرب في إقليم الأهواز، وهي سياسة تمييز ممنهجة تستهدف هويتهم القومية وحقوقهم الأساسية منذ عقود.
ولعل أبرز تجلياتها حرمانهم من التوظيف في الدوائر الحكومية، وممارسة شتّى أنواع الاضطهاد ضدهم في ظل غياب أي وسيلة إعلامية محلية، مما أطلق يد السلطة المركزية للسيطرة على جميع موارد الشعب العربي الأهوازي الغنية بالنفط والغاز.
الأمر أسهم في تكوين شعور عميق بالظلم والعجز، فأصبح الانتحار فعلًا احتجاجيًا يائسًا أمام نظام ظالم لا يمارس إلا القمع.
• الأوضاع الاقتصادية المتدهورة
تعاني المناطق العربية في إقليم الأهواز من معدلات بطالة وفقر هي الأعلى في البلاد، رغم غناها بالموارد الطبيعية.
الأمر الذي دفع الكثير من الأهالي إلى الاعتماد على الأعمال البسيطة لتدبير قوتهم اليومي، كبيع البضائع على الأرصفة أو إدارة “أكشاك صغيرة أو دكّات”، وهي أعمال تتعرض باستمرار لهجمات السلطات الأمنية بحجة “عدم وجود تراخيص”.
وقد أدى ذلك إلى هدم هذه الأكشاك ومصادرة بضائع الباعة الجوالين، وهو ليس مجرد إجراء إداري، بل ضربة قاسية لمعنى الكرامة والوجود في نظام لا يوفر بديلًا للعيش الكريم.
• غياب العدالة الاجتماعية وتفاقم التفاوت الطبقي
في ظل السياسات الخاطئة والمتزايدة لنظام ولاية الفقيه، اتسعت الهوة بين الطبقات والفئات الاجتماعية، مما أدى إلى تفشي البطالة.
الثروة، نتيجة للسياسات العنصرية، تركزت بيد الجماعات المقربة من النظام ممثلة بالحرس الثوري، فيما تُركت الطبقات الفقيرة لمواجهة الغلاء والبطالة دون دعم فعلي.
وتتجلى هذه الفوارق بشكل صارخ في إقليم الأهواز العربي، حيث يعيش المواطن العربي على هامش التنمية، في حين تُخصّص موارده النفطية والغازية والمائية للمناطق الفارسية أو للمشاريع المرتبطة بالمؤسسات الأمنية، التي تهدف إلى تغيير النسيج السكاني العربي وتفريسه.
• القمع الأمني وإغلاق قنوات التعبير
تتعامل سلطات نظام ولاية الفقيه مع أي شكل من أشكال الاحتجاج، مهما كان سلميًا، بالعنف، باعتباره تهديدًا للأمن القومي.
فلا يستطيع المواطن أن يشكو، أو ينظم تجمعًا، أو يعبر عن رأيه دون خوف من الملاحقة أو الاعتقال.
هذا الإغلاق التام للمنافذ السياسية والإعلامية يدفع البعض إلى خيار مأساوي هو الانتحار، كأداة أخيرة لإسماع الصوت في مجتمع صامت.
• البعد السياسي لظاهرة الانتحار
إن تصاعد حالات الانتحار لدى الشباب العرب في الأهواز لا يمكن عزلها عن التوجهات السياسية العامة لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي تقوم سلطتها على منطق المركزية العنصرية والسيطرة الأمنية.
فالسياسات التمييزية، وإفقار مناطق الأطراف، وإقصاء القوميات من القرارين الاقتصادي والسياسي، ليست نتائج عرضية، بل أدوات متعمدة لإدامة السيطرة.
من هنا، فإن كل انتحار في الأهواز هو في جوهره رسالة سياسية موجعة تكشف فشل نظام ولاية الفقيه في إدارة التنوع والعدالة.

وأخيرًا، فالانتحار هو اللغة الوحيدة التي يعبر بها المواطن عن احتجاجه.
وإن مأساة هذين الشابين اللذين أقدما على إحراق نفسيهما ليست حدثًا فرديًا، بل هي صرخة جيل كامل يعيش بين القهر والحرمان.
ومادام النظام الإيراني يصرّ على إنكار جذور الأزمة المتمثلة في التمييز القومي، وانعدام العدالة الاقتصادية، والتهميش، وتكميم الأفواه، فإن هذه الظاهرة مرشحة للتفاقم.
والمطلوب اليوم هو تسليط الضوء على هذه المأساة، وربطها بالسياسات الرسمية للنظام، الذي هو الصانع الوحيد لأسبابها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي بالسودان: لن نقبل أي اتفاق


.. قادة أوروبيون يوجهون رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى أوكرانيا..




.. العدو الأخطر من الكوليسترول… وتجربة دقيقة تغيّر صحتك! | #كلي


.. مسيرة في العاصمة تونس ترفع شعارات تدعو لوقف استهداف النقابيي




.. جولة الصحافة| جيروزاليم بوست: إسرائيل تواجه أسوأ أزمة اكتظاظ