الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


قمّة بودابست المُعلنة تفشل قبل انعقادها

مرتضى العبيدي

2025 / 11 / 8
السياسة والعلاقات الدولية


إذا اعتبر دونالد ترامب وفلاديمير بوتين القمّة التي جمعتهما في ألسكا خلال شهر أوت الماضي فاشلة، فإن القمة التي أعلن عن انعقادها في عاصمة المجرّ بودابست، قد باحت بأسرارها حتى قبل انعقادها.
فغداة عودته من شرم الشيخ، مزهوّا بـ "النصر" الذي حققه في الشرق الأوسط أعلن ترامب أنه سيلتقي نظيره الروسي فلاديمير بوتين في بودابست "خلال الأسبوعين المقبلين"، سعياً لإنهاء الحرب في أوكرانيا. ويأتي هذا الإعلان بعد مكالمة هاتفية بينهما على امتداد ساعتين ونصف، بدا بعدها ترامب متصالحاً مع الكرملين، وفقاً لمعظم التقارير الصحفية. وجاءت هذه المكالمة عشية زيارة زيلنسكي الأخيرة الى البيت الأبيض.
وقد فاجأ هذا الإعلان المراقبين للشأن الأوكراني بعد تعثر المساعي الديبلوماسية للتوصل الى "اتفاق سلام" والتي شهدت ركودا منذ فشل قمة ألسكا التي جمعت الرجلين في 15 أوت الماضي.
ونتيجة لهذا الفشل، كثفت موسكو ضرباتها على المدن الأوكرانية منذ انتهاء تلك القمة، مما ألحق بشكل ملحوظ أضرارا بالبنية التحتية للطاقة والسكك الحديدية في الأسابيع الأخيرة، ردّت عليها كييف بحملة جوية ضخمة ضد مصافي النفط الروسية، مما رفّع أسعار البنزين إلى مستويات قياسية وتسبب في تعطيل الإمدادات في بعض المناطق.
وقد كان دونالد ترامب قد اتخذ موقفًا أكثر صرامة تجاه بوتين بشأن الحرب في أوكرانيا منذ قمة ألاسكا، بل ووعد بزيادة الدعم لأوكرانيا، وهو ما نال استحسان حلفاء كييف.
إلا أن لهجة ترامب التصالحية بعد المكالمة مع بوتين ألقت بظلال من الشك على إمكانية تقديم مساعدة فورية لأوكرانيا، وجدّدت المخاوف الأوروبية من استسلام الولايات المتحدة لموسكو.
الاتحاد الأوروبي يشكك في جدوى القمة ويطالب بتفعيل المزيد من العقوبات على روسيا
ورغم اعتراض زيلنسكي على مكان اللقاء (بودابست)، إلا أنه عبّر على رغبته في حضوره، إذ صرّح للصحافة: "إذا دعيت إلى بودابست، بدعوة وفق صيغة أن نجتمع ثلاثتنا، أو أن يلتقي الرئيس ترامب مع بوتين، وأن يلتقي الرئيس ترامب معي، عندها وفق صيغة أو أخرى، سنتفق".
أما بقية الدول الأوروبية، فهي لم تنظر بعين الرضى لهذا اللقاء، وقد عبّر عن ذلك بصراحة وزير الخارجية الليتواني عندما صرّح “بأن لا مكان للرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أي عاصمة أوروبية، بل إن المكان الوحيد لبوتين في أوروبا هو في لاهاي أمام المحكمة وليس في أيّ من عواصمنا.”
وفي نفس السياق، قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إنها تتوقع أن تجري الموافقة على الحزمة 19 من العقوبات على روسيا هذا الأسبوع.
بدورها، قالت سفيرة أوكرانيا لدى الولايات المتحدة "إن الغارات الجوية التي شنتها روسيا على أوكرانيا قبل ساعات من مكالمة ترامب/ بوتين تكشف موقف روسيا الحقيقي تجاه السلام... وهي تظهر أن استراتيجية موسكو هي استراتيجية إرهاب واستنزاف، لذا فإن الردّ الفعّال الوحيد هو مزيد الضغط من خلال عقوبات أشدّ، وتعزيز الدفاع الجوّي الأوكراني، وتوفير قدرات بعيدة المدى."
ترامب والملف الأوكراني
خلال حملته الانتخابية، ادّعى ترامب أنه سيتمكن من إنهاء الحرب في أوكرانيا في غضون أيام، لكنه تراجع عن هذا التصريح لاحقا بإقرار أن هذا النزاع هو من أعوص ما اعترضه منذ عودته الى السلطة. بل إنه عبّر خلال شهر سبتمبر الماضي عن تحوّل كبير في نظرته للصراع، مرجّحا أن كييف بمقدورها "استعادة كامل أوكرانيا كما كانت في سابق عهدها" وهو ما يتناقض مع دعواته العلنية والمتكرّرة لها بالتنازل عن الأراضي التي تحتلها روسيا.
قبل ذلك، وفي شهر جويلية 2025، حدّد ترامب لبوتين مهلة بأسبوعين للموافقة على وقف إطلاق النار وإلا واجه عقوبات شاملة، منها عقوبات ضدّ الدول التي مازالت تتعامل تجاريا مع روسيا. بل إنه حثّ بعض هذه الدول لا سيما الهند والصين ودول الناتو على وقف شراء الطاقة الروسية، سعيا لزيادة الضغط الاقتصادي على الكرملين. لكنه سرعان ما تخلى عن هذا التهديد حالما وافق بوتين على عقد قمّة في ألاسكا.
لماذا بودابيست؟
يبدو أن ترامب نفسه هو من اقترح أن يتم اللقاء في بودابيست لسببين. أولا لأنه مكان آمن بالنسبة لبوتين الذي تلاحقه مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، ولعلاقة هذا الأخير الطيّبة بالوزير الأول المجري فيكتور أوربان الذي حافظ على علاقة وثيقة مع موسكو رغم الحرب في أوكرانيا. كما أن لبودابيست رمزية خاصة في العلاقات الروسية الأوكرانية إذ شهدت المدينة سنة 1994 توقيع "مذكرة الضمانات الأمنية" التي تخلت بموجبها أوكرانيا عن آلاف الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي، مقابل تعهّد موسكو باحترام وحدة الأراضي الأوكرانية. لكن هذه الأخيرة، حسب ترامب، خالفت الالتزامات الواردة في مذكرة بودابيست بعد غزو شبه جزيرة القرم وضمّها عام 2014 ومنطقة الدونباس فيما بعد، قبل الهجوم على أوكرانيا المتواصل منذ شهر فيفري 2022. فكأن ترامب أراد من هذا الاختيار تذكير بوتين بتعهدات بلاده السابقة.
وكان فيكتور أوربان هو من بثّ "الخبر السارّ لشعوب العالم المُحبّة للسلام" عن قرب انعقاد هذه القمّة، مضيفا "أن السلام يتطلّب الصبر والقوّة والتواضع، وأن على أوروبا أن تغيّر موقفها. وأنه بدلا من الغطرسة وتأجيج حرب لا تنتهي، نحتاج الى مفاوضات مع روسيا. فالحوار وحده هو الكفيل بإحلال السلام في قارّتنا."
لكن هذه النظرة المتفائلة سرعان ما تبخّرت بفعل تصريحات ترامب الذي اعتبر أن لا فائدة تُرجى من أيّ قمّة لا تكون مخرجاتها معلومة مسبقا محمّلا المسؤولية لبوتين الذي لا يتعامل بالجدية اللازمة مع الملفّ الأوكراني. وهو ما نفاه ألكسندر لافروف وزير الخارجية الروسي الذي حمّل فشل القمة الى الطرف الأمريكي الذي لم يأخذ بعين الاعتبار "المساعي الجدية والبناءة" للطرف الروسي من أجل إيجاد حل سلمي للحرب الأوكرانية الروسية.
هل أغلقت قنوات الحوار بين العملاقين؟
وفي الوقت الذي شدّ فيه ترامب الرحال الى آسيا لزيارة بعض بلدانها، كان تصرّف الإدارة الأمريكية مختلفا إذ استقبلت مبعوثا روسيا هو رجل الأعمال كيريل ديمترييف، المستشار الخاص لبوتين للشؤون الاقتصادية والذي يشغل خطة رئيس صندوق الثروة السيادي الروسي. أي أنه بعيدا عن الضوضاء التي يُحدثها ترامب خارجيا بتصريحاته المفاجئة، فإن الحفاظ على مصالح أمريكا يبقى ديدنه في كل الأحوال. فالمبعوث الروسي كان من بين الشخصيات المقرّبة من بوتين المسجلين على القائمة السوداء لأمريكا، وبذلك كان ممنوعا من السفر إليها. إلا أن واشنطن رفعت عليه تلك العقوبات مؤقتا لتسمح لوزارة الخارجية بإصدار تأشيرة له، ما أتاح له لقاء مبعوث ترامب ستيف ويتكوف في واشنطن.
وتأتي زيارته هذه بعد أيام قليلة من إعلان ترامب عن حزمة عقوبات جديدة على روسيا، استهدفت شركتي النفط العملاقتين "روسنفت" و"لوك أويل"، في إطار الضغوط الأميركية على موسكو لإنهاء حربها في أوكرانيا.
ورغم التوتر المتصاعد، قال دميترييف إن زيارته تهدف إلى "مواصلة المناقشات حول مستقبل العلاقات الأميركية الروسية، وهو المدافع على ضرورة التقارب الاقتصادي بين البلدين رغم الخلافات السياسية.
واليوم، مع عودته إلى واشنطن في ظل العقوبات المتجددة والضغوط المتبادلة، يُنظر إلى زيارة دميترييف كمحاولة جديدة لجسّ النبض حول إمكانية إعادة فتح نافذة للحوار بين موسكو وواشنطن، في وقت تتزايد فيه التوترات حول الحرب في أوكرانيا ومستقبل العلاقات بين القوتين. وللتقليل من وطأة إلغاء قمة بودابيست بصفة أحادية الجانب، قال ديمترييف "إن أي لقاء محتمل قد يستغرق وقتًا للتحضير، معتبرًا أن اجتماعًا كهذا سيحتاج إلى استعداد جدي وتحضيرات دقيقة".
خلاصة القول أن لا شيء لدى هؤلاء يعلو على مصالحهم ومصالح بلدانهم وهم مستعدون للتضحية بملايين البشر في مثل هذه النزاعات. وقد جعل ترامب من أولوية أمريكا شعارا لحملته الانتخابية "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تباهى خلاله بإنهائه 8 حروب.. الرئيس دونالد ترمب يطوي عامه ال


.. عام لترمب في الرئاسة.. قراراتٌ وتحالفاتٌ وصفَقاتٌ قلبت موازي




.. تراشق وخطاب حاد في نقاشات وجلسات منتدى دافوس بشأن ملف جزيرة


.. خارج الصندوق | قسد تدعو أكراد الداخل والخارج لحمل السلاح.. و




.. واشنطن تصدم قسد: الغرض منكم انتهى