الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
انتخابات تخطف الأبصار لكنها لا تضيء الطريق
سهام يوسف علي
2025 / 11 / 9الادارة و الاقتصاد
في بغداد، المدينة التي اعتادت أن تشهد تناقضاتها على الأرصفة وفي المقاهي وفي وجوه المارة، ارتفعت سماؤها هذه المرة بصورة عملاقة لمحمد الحلبوسي، رسمتها آلاف الطائرات المسيّرة كما لو أنها تحاول أن تُقنع العراقيين بأن الضوء في السماء قد يُبدّد عتمة الواقع في الأرض. مشهد مبهر من الناحية التقنية، لكنه يوجع القلب حين يُقرأ بمعناه الرمزي: سياسة تزيّن السماء وتُهمل الأرض.
في هذه الانتخابات، لم يعد البذخ الانتخابي ترفاً، بل صار مقياساً للنفوذ. ملايين من الدولارات قيل إنها صُرفت على حملة واحدة، وكأننا أمام سباق لا على خدمة الوطن، بل على من يمتلك القدرة على تحويل المال إلى هالةٍ من الضوء فوق العاصمة المتعبة.
ومن المفارقات أن هذه العروض الضوئية تُقام في بلد يعجز عن إنارة شوارعه ليلاً أو عن تشغيل محطاته الكهربائية بلا انقطاع.
لكن الحلبوسي لم يكن وحده في هذا البذخ الانتخابي ،في مدنٍ أخرى، تنافست الكتل على من يُنفق أكثر، لا من يُقنع أكثر. حزب يفرش شوارعه بواجهات رقمية عملاقة تبثّ صور زعيمه كل عشر ثوانٍ، وآخر يوزّع بطانيات وأجهزة كهربائية ووعوداً بالجنة الدنيوية، وثالثٌ يحوّل مكاتبه الانتخابية إلى صالات فاخرة تقدَّم فيها الولائم وكأن التصويت وليمة لا مسؤولية.
مرشحةٌ تُغدق الهدايا على الفقراء أمام الكاميرات، بينما المستشفيات تعاني نقص الأدوية، والمدارس تنهار جدرانها على طلابها.
كل ذلك يجري تحت عنوان "التنافس الديمقراطي"، لكنه في جوهره سباق على النفوذ لا على الخدمة العامة.
الأحزاب التي تنفق الملايين في أسابيع، هي ذاتها التي تتحدث بعد الانتخابات عن العجز المالي وتقترح تقليص رواتب الموظفين.
فمن أين جاءت هذه الأموال؟
ولماذا تُصرف بهذا الحجم من أجل مقعدٍ برلماني، إن لم يكن الهدف استردادها أضعافاً بعد الفوز؟
ما يحصل يكشف انحرافاً خطيراً في معنى الانتخابات نفسها. فبدلاً من أن تكون ساحةً لتقديم البرامج والمشاريع، أصبحت ساحةً لاستعراض المال والوجاهة. تُخطف الأبصار بالأضواء، بينما تغيب البرامج الواقعية، وتبقى الأسئلة الجوهرية بلا إجابة.
لقد تحولت الدعاية الانتخابية في العراق إلى كرنفالٍ للمال والنفوذ، حيث تُقاس الشعبية بعدد الشاشات لا بعدد الأفكار، وبطول طاولة العشاء لا بعمق البرنامج الانتخابي. كلّ كتلة تتفنّن في استعراضها، كأننا أمام مزادٍ سياسيّ مفتوح: من يشتري قلوب الناس بمالهم؟
أما المواطن، فيقف بين هذه الأضواء، مندهشاً ومكسوراً في آنٍ واحد؛ مندهش من هذا الثراء المفاجئ، ومكسور لأنه يعرف أن تلك الأموال ليست إلا من خزينته، وأن تلك الأضواء تُشعلها عمولات عقود لم تُنجز وموازنات التهمها الفساد.
وهو يعلم في قرارة نفسه أن من يشتري صوته اليوم سيبيع الوطن غداً.
هكذا، تُنفق الملايين لتزيين السماء، في حين أن الأرض تزداد ظلاماً.
تخطف الأبصار، نعم، لكنها لا تضيء الطريق.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. تعمير -لقاء مع د/خالد أبو زهرة وحوار بخصوص تعديلات قانون الض
.. إغلاق مضيق هرمز يرفع أسعار النفط ويزيد المخاوف من اضطراب الإ
.. تعمير - تعرف على الاعفائات داخل تعديلات قانون الضريبة العقار
.. تعمير - د/خالد أبو زهرة: الدولة تستهدف حصيلة أقل من الضريبة
.. تعمير-هل سيتم إعادة تقييم العقارات المعافاة من الضرائب مسبقً