الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين تفقد الأشياء قيمتها
حيدر داخل الخزاعي
2025 / 11 / 9الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
كثيراً ما يحدونا الحنين إلى الماضي حين نستذكر أشياء ومواقف وذكريات تعبر عن قيمة الأشياء في ذلك الزمان، فقد كانت ذات معنى طالما نفتقده اليوم، فكثير من الأشياء فقدت قيمتها في واقعنا وما عادت كالسابق، ولم تعد تحمل المكانة ذاتها، فالأستاذ كان له هيبته، والشهادة العلمية كانت موضع إجلال، لكنها تحولت إلى ورقة بلا قيمة، وكذلك الوظيفة العامة تحولت إلى مكسب لا خدمة للناس، هذه الأفكار ليست شكوى عابرة، بل مواقف نمر بها وعلامة على وجود خلل في واقعنا.
إن قيمة الأشياء ليست بمظهرها، بل بما تحويه من معنى، فقيمة المدرسة والجامعة بما تقدمانه من تربية وتعليم جيدين، وقيمة القاضي بما يحققه من عدالة، والصداقة بما تعبر عنه من مواقف نبيلة، فحين تضعف المؤسسات وتستبدل المعاني بالمعايير الشكلية يكون ذلك مؤشراً على فساد منظومة القيم، فإذا حلت الواسطة مكان الكفاءة، والولاء محل القانون، وغدا المظهر أكثر أهمية من الجوهر، فهذا يعني أن المنظومة تسير في الاتجاه الخاطئ.
هذا ما نجده في واقعنا، فمن يملك المال ينال تقديراً واحتراماً أكبر، وفي واقعنا السياسي يقدم الولاء على صاحب الخبرة، وفي وسائل التواصل تصبح المشاهدات أهم من الفائدة، وهكذا تكونت لدينا منظومة مشوهة، فالصداقة التي كانت في الماضي شيئاً مقدس تحولت إلى علاقات سريعة قائمة على المصالح والمنافع، ما دام الآخرون يجدون فيك منفعة أحاطوك، وحين الشدة لا تجدهم، فالصداقات الراسخة تم استبدالها بشبكة لتداول المنفعة بدلاً من كونها رابطة تقوم على المشاعر الصادقة.
وكذلك الدين صار هوية أكثر من كونه قيمة أخلاقية، فترتبط قيمته بما نراه من طقوس ومظاهر لا نجد لها أثراً في سلوك الأشخاص، إن الخطاب الديني المعاصر كثيراً ما يقوم على المظاهر والاستعراض بدل التركيز على جوهر الدين وقيمه النبيلة، أما الشهادة فصارت ورقاً بلا مهارة، يبحث صاحبها عن امتياز يناله بلا إتقان، ويتساوى فيها من جد واجتهد مع من حصل عليها دون عناء وتعب.
والحال نفسه في العمل والوظيفة، إذ تحولت الوزارات إلى حصص ومصادر تمويل للأحزاب، ولا علاقة لتولي الوظيفة بالكفاءة والخدمة العامة، فأساس الحصول عليها هو مقدار الولاء، وزادت المنصات ووسائل التواصل من تشويه المشهد وتعقيده، فتحولت الأشياء إلى مظاهر، ما يصور ويعلن يكون ذا قيمة مهما كان محتواه دنيئاً، وذو القيمة الحقيقية لا أثر له ما لم يتداول، حتى في المهن، فالطبيب أو المهندس أو المحامي مهما كان حاذقاً ، فلا تقاس قيمته بخبرته بقدر ما تقاس بما ينشره من صور، وصرنا في زمن السوشيال ميديا لا نرى إلا ما يبرق، متناسين أن ليس كل ما يلمع ذهباً، و صار الكثير يركض وراء الإثارة ولا يعنى بالعمق، فتحولت قيمة الأشياء في نظرنا إلى المظاهر والبحث عن الرخيص، فلا قيمة للأفعال الجيدة والكفاءة، فالأهم هو الولاء والشعارات، وهذا ينذر بفوضى في المعايير.
إنّ استعادة قيمة الأشياء تفرض علينا إعادة النظر في القواعد التي تنتج القيمة، فلكي تكون للشهادة مكانتها لا بد من تعليم وبحث حقيقيين قائمين على نتائج، وتولي الوظيفة يجب أن يكون مقرون بالكفاءة وتقديم خدمة حقيقية للناس، ويقاس الدين بآثاره من صدق وأمانة والتحلي بالفضائل، لا بد من إعادة بناء المفاهيم وفق منهج العقل بعيداً عن الضجيج، فالشعارات لا تبني إنساناً ولا دولة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. أميركا أم الصين؟.. حرب الذكاء الاصطناعي تدخل مرحلة كسر العظا
.. أوروبا تبحث معاقبة بن غفير بعد دعوته لقتل فلسطينيين يوميا
.. ارتفاع ضحايا زلزال كولومبيا وتواصل عمليات البحث عن مئات المف
.. خارج الصندوق | مواجهة ساخنة على الهواء حول -إنسانية إسرائيل-
.. وزير الدفاع السوداني حسن داؤود كبرون لـ -العربية-: لا يوجد ت