الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


نحو وعيٍ يعبر فوق حدود الطائفة

بوتان زيباري

2025 / 11 / 10
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير


في مساءٍ تتداخل فيه أضواءُ المدينة مع أصداءُ الزمن، أطلّ على ساحة السياسة رجلٌ من عوالم الصُغر والنماء، ليزرع في «أمّ المدن» بذور غدٍ، يقف أمام يافطات الهوية القديمة ليقول: ليس بقدرِ ما أنتَ من أيّ جماعةٍ تُصنّفُهُ، بل بما تقدّمه للإنسان جمعاء، تُنتخبُ وترتقي. هذا الدرس الذي جاء به الفوزُ الذي حقّقهُ المسلمُ زهران ممداني في مدينةٍ ذات غالبيةٍ مسيحية ويهودية، ليس لأجل زوجةٍ سوريةٍ أو لقربه من البُلدان أو العشائر — بل لأسبابٍ أهمّ وأعمق.

فحين قلّل البحثُ المعنيّ بتوزّع الأعراق والديانات في مدينةٍ كبرى من دور العدد الطائفي، حين أشارت البياناتُ إلى أن المسلمين لا يُشكّلون سوى نسبة ضئيلة، فإنّ انتخابَ هذا المرشّح ليس انتصاراً للطائفة، بل لبرنامجٍ واضح، وعملٍ ميداني يُعنى بالناس أولاً. فالمسلم ليس باختياره دليلاً على وزنٍ طائفي، بل حركةُ إنسانٍ يرتقي بها الوعيُ الجامِعُ أنّ المواطنة لا تُقاس بعددٍ أو بنكهةٍ عرقية، بل بالإنجازِ والإحساسِ بالمسؤولية.

في هذا السياق، يظهر جليّاً أنّ المشروعَ الاقتصاديّ والعدالةَ الاجتماعية، حَظيا في هذا الفوز بأسبقيةٍ على التعبيرات الطائفية أو الإنتمائية. فحين يُطرح السؤال: لماذا انتخبوه؟ كانت الإجابة: لأنه قدّم برنامجاً لحياةٍ أفضل، لإدامة عدالة نحو من لم تُصغّرهم قسمةٌ، ولمن لم يشدّوا على فكرة «نحن الأغلبية». إذ إنّ حكم الأغلبية ليس مرادفاً للإنجاز، وإنّ صوت الأقلّية ليس بالضرورة هامشاً إذا ارتبط بالمشروع.

إنها رسالةٌ لكلّ من يبحث عن بناء دولةٍ رشيدة في فضاءاتٍ مُعقّدةٍ بخلافاتها،٬ ففي هذه النتيجة عبرةٌ: أنّ الوعيَ الديمقراطيّ حين يرتكز على المشروع، لا على الانتماء الطائفي، يمتلك قوّةً لا تُقاس بخريطةٍ سُكانيّة، بل بمدى قدرةِ الإنسان على الحُكم واستنهاضِ الجماعة نحو الكُلّ. وإن رأينا في ذلك تجاوُزاً للطائفة، فليس لأنّ الطائفة بلا قيمة، بل لأنّ المشروعَ الإنسانيّ يُشبِع هُوّياتٍ أكثرَ وأشمل، يتجاوز التعبيرات الضيّقة، ويُعلّي روحَ المساءلةُ والمواطَنةِ والشراكة.

أما السوريّون — أو الكورد في تفكيرنا الوجدانّي — فإنّ الدرس واضحٌ: لا تنتخبوا من أجل أنتماءٍ أو نسبٍ أو لونٍ، بل من أجل من يحمل مشروعاً يُحرّك الحياة ويُعيدُ كرامةَ المواطن. ولابدّ لنا من أن نضع لأنفسنا هدفاً: أن نمضي نحو مستوىٍ من الوعي والنضج الذي أدركتهُ بعضُ المجتمعاتُ، فلم تُعد تُقاسُ الديمقراطيّةُ بتركيبةٍ طائفية، بل بابتكارٍ للجُمهور، وبقيامٍ للحرّ في أن يختار من يؤازره بإنسانيّته لا بطائفيّته.

إنّنا لسنا بإمّاويّين نبتغي حكومةَ الأكثريةِ فحسب، ولا نحن أيضاً بمنهجٍ يقتصرُ على العدالة الشعائريّة أو التعبير الرمزيّ. فالحقيقة الأولى التي لا بدّ أن نعيها: أنّ انتخابَ الإنسان الصالح على أساسِ مشروعٍ هو الغايةُ، وأنّ التأسيسَ الديمقراطيّ لا يُبنى إلا حين تتجاوز المفاهيمُ الموروثةَ «أنني أُنتخب لأنّني من جماعتنا» إلى «أُنتخب لأنّه يعنيني ويعنى نهاجَي».

فضلًا عن الوضعِ الخاصّ للمواطن السوري، علينا أن نبدأ من الآن نُعلّم أنفسَنا تلك اللغةَ: لغةُ المشروع، لغةُ الوطن، لغةُ الإنسان الحرّ في وطنه. فما عدَمنا أن نعود إلى الوراء بأن نفخّرَ في الانتماءاتِ أو نصدّقَ مغالطاتٍ تقول إنّ الأغلبية وحدها تستحق الحكم. لا! بل يستحق الوطنُ أن يُحكم ممن يحمل أدباً للعيشِ معاً، ومن يرتبطُ بالضمير العالمي، لا بقدرٍ من الأغلبية أو بنِسبٍ من الأقلّية.

لهذا، هذه الكلماتُ التي أردت أن أرسلها إلى الشعب السوري — وإلى أيّ شعب ينشدُ أن ينهضَ — هي نداءٌ إلى أنّ انتقاءَ الحكم ليس عمل طائفيّاً أو عِرقياً بل هو تعبيرٌ عن عقدٍ إنساني: أن يقفَ الكوردُ والعربُ والإسلاميّون والمسيحيّون والعلويّون والدروزُ على قدمِ المساواة، لا في الخطابِ فحسب، بل في الجوهر، في المشروع، وفي الروح. فلنُؤسِّسْ مجلسًا من الوعي، لا من الحصص، ولننتخِبْ على أساسِ البرنامج لا الحَمولَة، على أساسِ الكفاءة لا العدد، على أساسِ الإنسان لا الطائفة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مقتل 6 جنود تابعين لبعثة حفظ السلام إلى السودان بقصف معسكرهم


.. الداخلية السورية: قوات التحالف لم تأخذ التحذيرات باحتمال حصو




.. ميكو بيليد: غزة تدفع جنودا إسرائيليين إلى الانتحار


.. مراسلة الجزيرة ترصد تطورات حادثة إطلاق النار في جامعة براون




.. قتيلان وإصابات عدة جراء إطلاق نار في جامعة براون بولاية رود