الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


ما قبل الفجر، من ذاكرة حرب ثمان سنوات

جواد الديوان

2025 / 11 / 10
سيرة ذاتية


لم يكن الطريق إلى الجبل يشبه طرق السهول التي اعتادتها الفرق العسكرية. كان صعودًا متدرجًا، يتلوى بين الصخور، يضيق تارة حتى لا يسمح إلا بمرور رجل واحد، ويتسع تارة ليكشف واديًا سحيقًا أو ضفة ماء لامعة تحت القمر. و إمام حسن، نقطة صغيرة على خط طويل لا يظهر منها شيء يدل على المعركة، سوى أن الجبل من فوقها ويتصرف وكأنه لا ينتمي للأرض.
عند أسفل السفح كانت تتمركز القوة بقيادة ضابط شاب من الموصل، يعرفه الجميع باسم وعد الله، لم يكن اسمه لقبًا ولا كنية، بل حقيقةً اسمه. ومع الوقت أصبح الاسم عنوانًا للقوة ذاتها. كان صوته صريحًا، وطريقته واضحة، لا يلجأ إلى الشعارات، ولا يحاول أن يصنع بطولة مما لم يحدث. كان يقف في مقدمة رجاله، لا بعيدًا خلف خطوط الرمي.
وعلى قمم الجبل المتفرقة، فوق الخط الذي لا تصل إليه المركبات، كان هناك جنود آخرون، صامتون أغلب الوقت، مهمتهم ليست الاشتباك ولا الهجوم، بل الرصد. كان يُطلق عليهم اسم أهل النظرة الأولى. منهم من يرصد لتحريك المدفعية، ومنهم من يكون إنذارًا مبكرًا تراهم قبل المعركة كأنهم جزء من الصخور التي يجلسون عليها، يتحركون ببطء، ويعرفون ممرات الجبل كما يعرف المزارع تفاصيل وجه نخيله.
في تلك الليلة، جلس وعد الله بين الرجال. كانت السكينة ناعمة، والبرد يهبط من أعالي زاغروس كهواءٍ ناعم أولاً، ثم قاسٍ فجأة. لم يكن صوت الحرب حاضرًا.. قال وعد الله وهو ينظر إلى الجهة المقابلة من السفح، هذه الجبال من جهتهم زاوية قائمة. يستحيل أن يستخدموها للهجوم."كان واثقً ، كان يعرف الأرض وكان حديثه صادقًا في تلك اللحظة..
جلس الجنود حوله في دائرة غير ظاهرة، يتبادلون كلمات قليلة لا أحد كان يتحدث عن الموت أو العودة، ولا عن السياسة أو المدن. كان كل شيء في تلك الجبهة يعتمد على الليل، وعلى الاستيقاظ للفجر.
بعد منتصف الليل، هدأ الكلام. نام من نام، وسهر من سهر. كان الملجأ حفرًا في الصخر أو تجويفًا في الجبل، لا خيمة. وكان الزاب تحت السفوح يجري كخط أسود يلمع فقط حين يمر القمر بين السحب، وصوته حاد، مثل صوت شيءٍ يضرب الزمن ذاته. لم يكن الماء يجري لعطشٍ أو ريّ، بل كان يجري ليقول إن الجبل له صوت. عند أول الفجر، لم يكن الصراخ هو الذي أيقظهم. بل كانت رصاصة واحدة.، وثانية، ثم سلسلة قصيرة. نهض وعد الله واقفًا قبل أن يصل أحد إلى المدخل. لم يقل شيئًا، لم يكن هناك وقت للكلام. كان الهجوم قد بدأ من الجهة التي قيل إنها مستحيلة.
تسللت القوات المهاجمة ليلًا عبر مسارات صخرية دقيقة، وتقدّموا دون ضوء، حتى وصلوا إلى قمم الرصد. اشتد الاشتباك. وتراجع الرجال إلى مواقع أدنى. وسقطت القمة.
بعد أيام، جاء خبر إعدام وعد الله وعدد من الضباط. لم يشاهده أحد من رجال الجبل، لكنه وصلهم بصوت منخفض. لم يكن ذلك الزمن يعرف جنوبًا وغربًا، ولا سنة وشيعة. كان يعرف الساتر فقط.
وفي ذلك الزمن، لم يكن على الساتر غير الرجال، كلٌّ يحمل اسمه ووجهه وصوته فقط. لم تكن المدن ولا الطوائف هي التي تتقدم أو تتراجع، بل أقدام الجنود على الصخر، وقلوبهم التي تواجه البرد والظلام. وما بقي من تلك الأيام ليس اختلاف الناس اليوم، بل صدى خطواتهم في الجبل، والصمت الذي تركوه خلفهم..








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السلطات السويدية تعلن رصد إعصارين مائيين متزامنين في غراستور


.. الحرس الثوري يتوعد الجيش الأمريكي بعمليات عقابية وسط تصاعد ا




.. تداعيات التصعيد العسكري وحدود استخدام السلاح النووي ضد إيران


.. روسيا تعلن السيطرة على بلدتين وقصفا واسعا على كييف.. وأوكران




.. ثغرة اغتيال خامنئي.. كيف تم اختراق دائرة المرشد الإيراني الم