الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الكلب*… ذلك المخلوق الذي أحبنا أكثر مما نستحق
أكرم شلغين
2025 / 11 / 11قضايا ثقافية
منذ فجر الحكاية الأولى، كان الكلب رفيق الإنسان. سار إلى جواره في الصيد، وفي الحروب، وفي الغربة. شاركه خبزه البسيط، وحرس نومه، وصمت حين خانه العالم. ومع ذلك، لم يسلم الكلب من ظلم الإنسان، لا بسوط ولا بحجر، بل بالكلمة: تلك التي تصنع المديح واللعنة معا.
ففي كثير من لغات الأرض، صار "الكلب" شتيمة. أن تقول لشخص "أنت كلب" تعني أنك أهنته في عمق كرامته. وفي الوقت نفسه، لم يخل الأدب العالمي من محاولات لإنصاف هذا الكائن الذي بدا في وفائه أكثر إنسانية من الإنسان ذاته.
الكلب في الموروث الإنساني: من أنوبيس إلى الأسطورة العربية
في مصر القديمة، وُجد "أنوبيس"، إله الموتى برأس كلب أو ابن آوى. كان حارس المقابر، ومرشد الأرواح في رحلتها إلى العالم الآخر. لم يكن رمزا للنجاسة أو الدناءة، بل كان تجسيدا للوفاء والعبور، دليلا على أن الإنسان القديم أدرك في الكلب روحا مقدسة لا يستهان بها.
وفي بلاد الرافدين، سجل في الألواح البابلية أن الكلاب كانت تربى في معابد الإلهة "غولا" شافية الأمراض، فقد ربط السومريون بين الكلب والشفاء والوفاء. أما في الهند القديمة، فقد وُصف الكلب في "الماهابهاراتا" بأنه الكائن الذي تبع الإله "يودهيشتيرا" إلى الجبل الأخير، ولم يتخلّ عنه حتى في الموت، بينما تخلى عنه الجميع.
لكن حين نصل إلى الحكاية العربية، تتبدل الموازين.
ففي رواية حنا مينه "الياطر" [وقد اقتبستها بنفسي وجعلتها مقدمة لمقال عن جملوكية الأسد نشرته عام 2004]، تروى حكاية رمزية عن كيف أصبح الذئب كلبا : جوع وثلوج وقصر يرمي فضلاته لجياع الغابة، حتى تدجن الذئاب التي كانت حرة. وحين اعتادت على الفتات، فقدت روحها الأولى وصارت "كلاب".
إنها استعارة لاذعة عن التدجين الأخلاقي والسياسي والاجتماعي: حين يعتاد الإنسان على الفتات يفقد نداء الحرية، ويغدو مطيعا، مروضا، ينتظر العظمة بدل أن يصطاد مصيره بيديه.
من الذئب إلى الكلب: رمزية الانكسار الإنساني
الحكاية العربية تلتقي هنا مع رؤية الروائي الروسي ميخائيل بولغاكوف في روايته الشهيرة "قلب كلب" حيث يتحول فيها كلب إلى إنسان بعد تجربة علمية، لكنه يحتفظ بكل الغرائز الدنيا، حتى يفوق البشر همجية وتطفلا. أراد بولغاكوف أن يقول إن الإنسان ليس عقلا فحسب، بل منظومة قيم، وإننا حين نمنح كلبا جسد إنسان دون روحه، نحصل على كائن أسوأ من الاثنين معا....لكن، أليست الرواية ذاتها تظلم الكلب؟ فالكلب في الواقع لا يعرف الكذب ولا النفاق ولا الخيانة، وهي أمراض بشرية خالصة. وهنا يطل السؤال الموجع:
من الأوفى حقا؟ من الأصدق؟ أهو الكلب الذي يحرس باب الفقير دون مقابل، أم الإنسان الذي يطعن صديقه بحجة المصلحة؟
وفي ثقافات أخرى الكلب عنوان وفاء لا ينسى، ففي اليابان مثلا، تحول اسم "هاتشيكو" إلى أسطورة وطنية. ذلك الكلب الذي كان ينتظر صاحبه يوميا أمام محطة القطار، حتى بعد أن مات صاحبه، وظل الكلب يأتي في الموعد نفسه لتسع سنوات تالية، ينتظر من لن يعود. اليوم، يقف تمثاله في قلب طوكيو كرمز للوفاء المطلق.
وفي الثقافة الغربية، تكررت رمزية الكلب في الأدب والسينما بوصفه الضمير المخلص الذي لا يخون: من قصة "أولد يَلَر" في الأدب الأمريكي، إلى فيلم "مارلي وأنا" حيث يصبح الكلب مرآة للأسرة وحياتها، لا مجرد حيوان أليف.
أما في الموروث الإسلامي، فثمة حضور نبيل للكلب في قصة أصحاب الكهف: "وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد" مشهد يرفع الكلب إلى مرتبة الحارس الروحي الذي يرافق الصالحين في خلودهم. وهذا يعتبر تكريم بليغ حين يمنح النص المقدس كائن اتخذ رمزا للنجاسة...!!
ولكن اللغة تظلم الوجود فهي، كما يقول رولان بارت، "تحمل في طيّاتها أيديولوجيا نائمة".
حين نشتم أحدا بقولنا "كلب"، فإننا لا نهينه فحسب، بل نسهم في تكريس تصور تاريخي عن الدونية. لقد نسينا أن هذا الكائن هو أول من آمن بالإنسان دون شرط، وأول من شاركه خبزه ودفء ليله...!
إن كلمة “كلب” في وجداننا الثقافي صارت مرادفا للذل، بينما هي في حقيقتها مرادف للوفاء والصبر. إنها المفارقة التي تلخص مأساة الإنسان مع ذاته: يكرم من يخونه، ويهين من يظل أمينا له حتى النهاية.
لعل الكلب ليس سوى مرآة لما فينا: فإذا كنا أوفياء، رأينا فيه نفسنا، وإذا كنا غادرين، احتقرناه. إن نظرتنا للكلب تكشف عن جوهرنا، كما تكشف لغتنا عن وعينا.
ولذلك، حين يصر الناس على استخدام "كلب" كإهانة، فإنهم في العمق يعترفون بأنهم يخشون هذا النقاء الذي لا يعرف الخيانة. ربما لهذا السبب يظل الكلب رمزا مؤلما للبراءة المستمرة، للولاء الذي لا يكل، وللنبل الذي لا يفهم الزيف. إنه الصديق الذي لا يتقن سوى حب واحد لا يتغير، والظل الذي لا يغادر صاحبه إلا حين يرحل الأخير عن الحياة.
في النهاية، يبدو أن الكلب لم يكن يوما بحاجة إلى من يدافع عنه. لقد أنصفه الوجود نفسه.
كل خفقة ذيل فرِح برؤية صاحبه، كل نظرة دافئة في عينيه، كل ليلة حراسة أمينة، هي بيان صامت عن معنى الوفاء الحقيقي. أما نحن، البشر، فما زلنا نكافئه بالشتيمة، وننسى أننا من يحتاج إلى دروسه، لا هو إلى لغتنا. إنه الكائن الذي لم يخن يوما، ولم يعرف الكذب، ولم يختر إلا أن يحب.. فمن منا، إذن، الإنسان؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* بالأمس كان يحكي عن شخص استغله فوصفه: "واحد كلب" وهذا دفعني لكتابة هذا المقال
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مياه الأمطار تغمر إقليم قرطبة في كولومبيا
.. استشهاد فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال في شمال غزة
.. جولة الصحافة| وول ستريت جورنال: ترمب يريد اتفاقا مع إيران لك
.. نتائج أول جولة مفاوضات مباشرة بين أميركا وإيران
.. إندونيسيا.. لقطات جوية لفيضانات إقليم كاراوانغ بعد انهيار سد