الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين تغتصب المعاني باسم السماء
محفوظ بجاوي
2025 / 11 / 11العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
لم يعد الزيف يختبئ في الظلام، بل صار يمشي واثقَ الخطى في وضح النهار، يرفع لافتة الدين، ويتحدث بلسان الله، ويُزيّن الباطل بقداسةٍ مصطنعة. في زمنٍ صار فيه الجهل لباسًا من ورعٍ كاذب، غدت الحقيقة غريبةً في أوطان الكلام.
يُسلِمون كل شيء، لا تسليمًا لله، بل تسليمًا للعجز والخوف والكسل. أسلموا العلم، فحوّلوه إلى تجهيلٍ ممنهج، يخاف السؤال، ويكفّر الفهم، ويجعل من الجهل طاعةً ومن الفضول خطيئة. هكذا قُتلت الروح التي علّمت الإنسان أن يفكر، ودُفن العقل تحت رماد الطاعة العمياء.
ثم أسلموا البنوك، فحوّلوا النفاق إلى نظامٍ ماليٍّ مقدّس. صار الربح استغلالًا مغلفًا بآية، والفائدة تُسمّى "مكافأة"، والفقر يُفسَّر على أنه امتحانٌ إلهي لا نتيجة جشعٍ بشري. غاب الضمير، وحضرت الفتاوى، فأصبح الدين وسيلةً لتبرير ما لا يُبرَّر، وتلميع من لا يُلمَّع.
ثم أسلموا التاريخ، فغسلوا صفحاته من الدماء، وكتبوا أسماء الطغاة بأحرفٍ من ذهب. برّروا الغزو بأنه فتح، والظلم بأنه قدر، والفساد بأنه اجتهاد. صار الماضي وثنًا جديدًا يُحرَّم المساس به، ولو كان مليئًا بالكذب، لأن السؤال عن الحقيقة أصبح جريمة، ولأن التاريخ عندهم ملكٌ لا يُسأل.
ثم أسلموا الغزو، فسمّوه بطولة، وتغنّوا بالدماء كأنها صلاة، واعتبروا القهر رسالةً ربانية. نسوا أن الله لا يحب الظالمين، ولا يبارك يدًا تُلطّخها الدماء، ولا يقف في صفّ الغزاة مهما زُخرفت نياتهم. فأيّ دينٍ هذا الذي يصفّق للقتل؟ وأيّ إيمانٍ هذا الذي يبرّر الظلم باسم الجنة؟
ثم أسلموا التربية، فغرسوا في عقول الأطفال أن التفوّق ليس بالجهد بل بالانتماء، وأن الهوية ليست محبة بل حدود. علّموهم أن يكرهوا قبل أن يفكروا، وأن يُقصوا قبل أن يفهموا، وأن يحفظوا النصوص دون أن يعوا المعنى. فكبر جيلٌ يحفظ كل شيء ولا يعرف شيئًا، يرفع الشعارات ولا يجرؤ على السؤال، يخاف الله أكثر مما يحبّه، ويطيع الشيوخ أكثر مما يعقل.
يا لَلمأساة! لم نعد نعبد الله، بل نعبد صورته التي صنعها لنا تجّار الدين. لم نعد نقرأ القرآن بعين القلب، بل بعين المصلحة. لم نعد نؤمن لأننا نحب الحقيقة، بل لأننا نخاف السؤال. لقد اختُطف الدين من جوهره النقي، وحُوّل إلى أداةٍ للهيمنة والتخدير. صار مطيّة للسياسي، وسلاحًا في يد الدجّال، ووسيلة في يد من يبيعون الوهم باسم الإيمان. وصار كل نقدٍ يُتَّهم بالكفر، وكل تفكيرٍ يُرمى بالضلال.
لكن الحقيقة، مهما خُنقت، تبقى حيّة. فالدين الحقّ لا يخاف من العقل، بل يدعوه ليبحث، ولا يكره العلم، بل يحتضنه، ولا يبرّر الظلم، بل يقف في وجهه. الله لم يخلقنا لنسجد للجهل، بل لنسجد بعد أن نعرف. ولم يُنزِل الوحي ليُطفئ العقول، بل ليوقظها. فمن أسلم عقله لغير الله، فقد خان رسالته الأولى.
إنّ قول الحقيقة ليس كفرًا، بل هو أعلى درجات الإيمان. والسكوت عن الزيف ليس احترامًا للدين، بل خيانة له. والتستّر على الجهل باسم التقوى هو طعنةٌ في قلب الإيمان. فلنقلها صريحة: الدين بريء من كل هذا التشويه. هو طهرٌ أُلبس ثوب السياسة، ونقاءٌ لوّثه الجهل، ونورٌ حُبس في قوالب الظلام.
من أراد أن يخدم الله، فليخدم الحقيقة. ومن أراد أن يُقدّس الدين، فليُقدّس العدل والعقل والإنسان. فالله لا يُرضيه الخضوع للأكاذيب، ولا يرضى بالركوع أمام الزيف، بل يرضى بمن يرفع رأسه ليقول الحقّ، ولو وحده في ساحة الضجيج.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. بايعتُ بن لادن… ثم تجسّستُ عليه | اعترافات أيمن دين | #السؤا
.. حزب عربي يهودي يبحث عن مقعد في الكنيست | في عمق الخبر
.. الشباب الإيراني يدعو للثأر والانتقام من قتلة المرشد الأعلى ا
.. من لبنان إلى الفاتيكان... الدكتورة جويل مبارك تروي تجربة أكا
.. مدينة مشهد.. المحطة الأخيرة في مراسم جنازة المرشد الأعلى الإ