الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


تدمير البيئة في إقليم الأهواز العربي: قراءة في السياسات المائية والصناعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية

جابر احمد

2025 / 11 / 12
القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير


1. المقدمة

تُعدّ البيئة إحدى الركائز الأساسية في استقرار المجتمعات وتوازنها، غير أنّ السياسات المائية والصناعية التي انتهجتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ قيامها عام 1979، وخاصة منذ فترة ما عُرف بسياسة "إعادة الإعمار" في عهد الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني (1989–1997)، أدت إلى تدهور بيئي واسع النطاق، شمل مختلف الأقاليم الإيرانية، وبالأخص إقليم الأهواز العربي.
تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الأسباب البنيوية والسياسات المركزية التي قادت إلى تدمير البيئة في الأهواز، من خلال تتبّع المشاريع المائية والصناعية الكبرى التي صممت لخدمة المحافظات الفارسية الجافة على حساب الأقاليم الغنية بالمياه.



2. الخلفية الجغرافية والبيئية

تقع المناطق الوسطى من إيران بين سلسلتي جبال البرز في الشمال وزاغروس في الغرب، الأمر الذي يمنع الرطوبة البحرية من الوصول إلى الداخل الإيراني، ويجعل تلك المناطق من أشد مناطق الشرق الأوسط جفافًا.
وعلى النقيض، يتمتع إقليم الأهواز (خوزستان) بمناخ شبه مداري، وتخترقه أنهار كبرى مثل كارون والكرخة والدز، ما جعله عبر التاريخ سلة غذاء إيران ومصدرها الرئيس للمياه السطحية.

إلا أنّ هذا التوازن الطبيعي بدأ بالاختلال حين تحولت سياسات التنمية المركزية إلى أداة لإعادة توزيع الموارد المائية نحو المحافظات الفارسية الجافة (أصفهان، يزد، كرمان، قم، وسمنان)، متجاهلة حقوق سكان الأقاليم الغنية بالمياه[1].



3. الخلفية السياسية لصنّاع القرار

يتضح من التكوين الجغرافي والاجتماعي للنخبة الحاكمة أن معظم كبار المسؤولين الإيرانيين ينحدرون من المحافظات الجافة.
فمن كرمان جاء هاشمي رفسنجاني، ومن يزد محمد خاتمي، ومن سمنان كلّ من محمود أحمدي نجاد وحسن روحاني. هؤلاء، وهم من أبرز صنّاع القرار في العقود الأربعة الأخيرة، وجهوا السياسات الوطنية نحو حل أزمة العطش في مناطقهم الأصلية عبر تحويل المياه من إقليم الأهواز إلى تلك المناطق[2].




4. السدود ومشاريع تحويل مجاري الأنهار

بدأت منذ أواخر الثمانينيات سياسة بناء السدود الكبرى على أنهار خوزستان.
ومن أبرز هذه السدود:

1. سد الكرخة (1992)


2. سد كارون 1 (الشهيد عباس بور)


3. سد كارون 3 (2004)


4. سد گتوند الأعلى (2011)


5. سد بهشت آباد (قيد التنفيذ)


6. سد مسجد سليمان (گدار لندر)


7. سد مارون


8. سد سپتون وسد پارسل 11 (بنگستان)

وتهدف هذه السدود إلى تحويل مجاري المياه من أنهار الأهواز إلى الداخل الإيراني. وقد تبين من خلال الوثائق الحكومية أنّ الغاية المعلنة هي "تأمين المياه للزراعة والصناعة في المحافظات الجافة"، بينما تُهمل تمامًا حاجات السكان المحليين في الأهواز[3].


5. أنفاق نقل المياه إلى المحافظات الفارسية

إلى جانب السدود، قامت الحكومة الإيرانية بشقّ أنفاق عملاقة وسط الجبال لنقل المياه المتجمعة خلف السدود نحو المحافظات الفارسية، من أبرزها:

أنفاق كوهرَنگ 1، 2، و3 نحو نهر زاينده رود في أصفهان.

نفق بهشت آباد الذي ينقل أكثر من مليار متر مكعب سنويًا إلى كرمان وأصفهان ويزد.

مشروع قم رود لنقل مياه نهر الدز إلى عشر مدن و30 قرية في الداخل.

نفق كمال صالح لتزويد مدينة أراك بالمياه الصناعية.
وقد صرح وزير الطاقة الإيراني (جيت جيان) أن الأراضي الزراعية في أصفهان تضاعفت خمس مرات لتصل إلى 200 ألف هكتار، نتيجة لمشاريع نقل المياه[4].


6. التوسع الصناعي في المحافظات الجافة

رغم الادعاء الحكومي بأن نقل المياه مخصص للاستخدام المنزلي، إلا أن الواقع يُظهر أنه خُصص لتغذية الصناعات الكبرى التي تتطلب كميات هائلة من المياه.
فقد تم إنشاء عشرات المصانع الحرارية والصلبية والبتروكيماوية في المحافظات الفارسية الجافة، على النحو الآتي:

6.1. محافظة أصفهان

تضم أكثر من 15 مصنعًا للصلب، أبرزها مجمع مباركة للصلب الذي ينتج سبعة ملايين طن سنويًا ويستهلك نحو 196 مليون متر مكعب من المياه سنويًا[5].
كما تضم مصانع بتروكيماويات وتكرير نفط ومحطات حرارية متعددة (محمد منتظري، أردستان، زاوره).

6.2. محافظة كرمان

تحتضن مصانع كبرى مثل بوتياي إيرانيان وجهان سيرجان، إضافة إلى مصانع البتروكيماويات في فجر رفسنجان ومحطات الطاقة في جيرفت وباغين.

6.3. محافظات يزد، قم، وسمنان

تضم بدورها عشرات مصانع الصلب والبتروكيماويات، رغم أنها من أكثر مناطق إيران جفافًا. وتُعد محافظة سمنان من أكثر المستفيدين من مشاريع نقل المياه بسبب انتماء عدد كبير من المسؤولين الإيرانيين إليها[6].



7. الآثار البيئية على إقليم الأهواز

نتج عن هذه السياسات تدميرٌ واسع للمحيط البيئي في الأهواز.
فقد أدى تجفيف الأهوار والمسطحات المائية مثل هور الحويزة وهور العظيم وهور الفلاحية إلى انقراض أنواع من الأسماك والطيور، وتدمير النظام البيئي الرطب. كما تسببت الانبعاثات النفطية والحرائق المتكررة في مزارع قصب السكر وحرق النفايات الصناعية بارتفاع خطير في نسب التلوث الهوائي.
تشير الإحصاءات المحلية إلى ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض التنفسية والسرطان، خصوصًا سرطان الرئة بين السكان العرب في الإقليم[7].




8. التحليل الاقتصادي والسياسي

إنّ بناء المصانع كثيفة الاستهلاك للمياه في مناطق فقيرة مائيًا لا يحمل مبررًا اقتصاديًا. فتكلفة المياه اللازمة لتشغيل هذه الصناعات تفوق أرباحها الفعلية.
وعليه، فإن هذه المشاريع ليست تنموية بقدر ما هي سياسية–قومية تهدف إلى تحويل الثروات من الأطراف (الأقاليم القومية) إلى المركز الفارسي، وهو ما يتعارض مع مبادئ العدالة البيئية والتنمية المستدامة"8" .

9. الخاتمة

لقد تحوّل إقليم الأهواز العربي من منطقة غنية بالأنهار والمياه العذبة والزراعة الخصبة إلى بيئة ملوّثة قاحلة.
فمنذ حكومة “إعادة الإعمار” وحتى “حكومة التدبير والأمل”، بقي الإقليم ضحية للسياسات المائية والصناعية المركزية التي صاغها مسؤولو المحافظات الفارسية.
اليوم، لا يوجد في الأهواز هواء نقي ولا مياه صالحة للشرب،( الصالحةللشرب تباع )ولا زراعة منتجة. لقد التهمت الهضبة الإيرانية الوسطى مياه وثروات الأهواز، وتركته يواجه مصيره البيئي والإنساني المجهول.



المراجع

1. وزارة الطاقة الإيرانية، تقرير حول السدود الكبرى في إيران، طهران، 2015.

2. موسوي، أحمد رضا، السياسات المائية في إيران المعاصرة، جامعة شيراز، 2018.

3. وكالة أنباء مهر، تقرير بعنوان: "سد بهشت آباد وتأثيره على البيئة"، 2021.


4. تصريحات وزير الطاقة جيت جيان، وكالة تسنيم، عدد 14 يوليو 2019.

5. الشركة الوطنية للصلب الإيراني، الإحصاءات السنوية لإنتاج المياه والطاقة في مصانع الصلب، أصفهان، 2020.


6. مركز دراسات التنمية الإيرانية، التوزيع الجغرافي للصناعة والمياه في إيران، طهران، 2022.

7. منظمة الصحة في الأهواز، تقرير الأمراض التنفسية المرتبطة بالتلوث الصناعي، الأهواز، 2023.


8. طاهري، سعيد، العدالة البيئية والسياسة القومية في إيران، جامعة أصفهان، 2020.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. DEBAT • فرانس 24 / FRANCE 24


.. تريتا بارسي: غموض يحيط بالبرنامج النووي الإيراني.. وإسرائيل




.. غزة بين الفيتو الإسرائيلي والحلول المفروضة باسم السلام.. هل


.. موازين | حماس.. تحديات الواقع وخيارات المستقبل




.. نافذة من سوريا تسلط الضوء على التوغل الإسرائيلي في القنيطرة