الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الإنسان الممسوح: حين تُلغى الذاكرة باسم الحماية

حامد الضبياني

2025 / 11 / 14
قضايا ثقافية


هناك لحظة في حياة الإنسان لا تُرى، لا يُعلن عنها، ولا تُسجّل في التاريخ، لكنها تُغيّر كل شيء: لحظة محو الذاكرة، حين يُستبدل الألم بالفراغ، والمعاناة بالطمأنينة المصطنعة، والحقيقة بالنسخة المعدلة. صار الإنسان الممسوح إنسانًا بلا ماضٍ، بلا تجربة، بلا ذاكرة تحمله عبر الزمن. صار مجرد برنامج يسير على الأرض، يبتسم حين يُطلب منه، يقرر حين تُعطى له الخيارات، يكره حين يُزارغ على الكراهية.الذاكرة، ذلك الحجر الذي يحمل كل آثارنا، كل ألمنا، كل فرحنا، كل جروحنا، أصبحت عائقًا يجب حذفه باسم الحماية. لا حماية هنا من الموت أو المرض، بل حماية من الحقيقة، حماية من الذات، حماية من ما نحن عليه حقًا. في عالمٍ مسكون بالسيطرة، يُصبح مسح الذاكرة واجبًا، وسيلة لإنتاج إنسانٍ آمن، مطيع، جميل الشكل لكنه فارغ الجوهر.الإنسان الممسوح يعيش بين الناس لكنه غريب عن نفسه. كل إحساس، كل علاقة، كل ذكرى، يُعاد تصنيعها ليصبح مقبولًا، مطابقًا، غير مؤلم، غير معقد، غير إنساني. إنه يعيش في صخب العالم لكنه صامت داخليًا، يضحك بلا سبب، يبكي بلا معنى، ويستمر في حركة الحياة وكأن شيئًا لم يكن. وكلما حاول أن يستعيد جزءًا من ذاكرته، يجد الحائط أقوى، الحماية أشد، والفراغ أعمق.
الأخطر أن هذا المسح ليس دائمًا واضحًا، بل يتم تدريجيًا، كما تُزال أوراق الشجر بالريح دون أن تشعر بها. يبدأ بالتخفيف من الألم، ثم ينزع الصدمة، ثم يزيل الانكسارات، حتى تصل إلى الإنسان نسخة معدلة من نفسه، لا يجرؤ على الحلم، ولا على التذكر، ولا حتى على التساؤل. إنه الإنسان الذي لا يعرف أن ذاكرته اختفت، ولا يشعر بالفراغ إلا حين يرى الآخرين يذكرون، ويشعرون، ويعيشون.
وفي هذا المسار، تندثر الهوية. كل قيمة، كل شعور، كل تجربة، تصبح قابلة للاستبدال. كل صورة من الماضي تُحذف، وكل أثرٍ يُمحى، وكل قصص الحياة تُستبدل بصور معدلة لا تؤلم. الإنسان الممسوح يصبح شفافًا، مسطحًا، باردًا، لكنه مُرضٍ للمجتمع، مُطابق لقواعد النظام، ومقبول بين النسخ الأخرى من نفسه.لكن حتى في أعماق الفراغ، هناك شيء يصرخ، شيء يحاول التذكّر، شيء يرفض أن يُمحى تمامًا. إن روح الإنسان الممسوح ليست قابلة للمسح الكامل، ربما تتخفى، ربما تهرب في تفاصيل صغيرة، في حلم لم يُكتب بعد، في ابتسامة عابرة، في دمعة سرية. هنا يظهر البعد الحقيقي للصراع: بين الأمن المصطنع وحرية الألم، بين حماية الذاكرة وحق الإنسان في أن يكون كاملًا، ذا جرح، ذا فرح، ذا صرخة.الإنسان الممسوح هو تحذير لعصرنا: أننا نصنع سلامًا بلا ألم، وجمالًا بلا معنى، ووجودًا بلا تجربة. وربما النهاية ليست في مسحه، بل في إدراكه، حين يرى أن ما تم حذفه لم يُمحَ بالكامل، حين يبدأ السؤال: هل أنا ما أنا عليه، أم مجرد نسخة من الماضي الذي صُمم ليكون مقبولًا؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن وكراكاس.. ما مصير ثروة فنزويلا من النفط؟ | #عالم_الطا


.. سيمون بوليفار.. ماذا تعرف عن مؤسس كولومبيا الكبرى؟




.. منظمة -أنقذوا الأطفال- في السودان: مئات الآلاف ما يزالون محا


.. قوات الاحتلال الإسرائيلي تقتحم مدنا وبلدات في الضفة الغربية




.. ابتكار بنكهة محلية.. كيف تعيد بيبسيكو تشكيل مستقبل الغذاء في