الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


غزة بين الجوع والركام… والرحلة الغامضة من مطار رامون إلى نيروبي وجوهانسبرج

نهاد السكني

2025 / 11 / 14
مواضيع وابحاث سياسية


لم تكن غزة ساحة حرب فقط.كانت مختبرًا مفتوحًا لأسوأ ما يمكن أن يفعله تحالف من أطراف عدة بمجتمع كامل:
قتلٌ، تجويع، عطش، طرد، خيام، وانعدام كرامة… ثم باب “خروج” يُدار بأيدٍ مشتركة.
هذه ليست حربًا بين مقاتلين، بل مؤامرة مدروسة تجمع بين قوة الاحتلال وأدوار اللاعبين المحليين الذين يبدون أعداءً لكنهم يخدمون السيناريو نفسه.
هذه هندسة تفكيك مجتمع، عملية تكسير ديمغرافي وإنساني تجري على مراحل مدروسة، بتنسيق يتجاوز الجبهة الواحدة.

أكثر من 69 ألف شهيد، حوالي 170 ألف جريح، وأكثر من 90% من السكان نازحون (حوالي 1.9 مليون من أصل 2.3 مليون) – ومعًا، هذه الأرقام تمثل كل فرد في غزة تقريبًا، حيث الشهداء والجرحى وحدهم يصلون إلى نحو 25% من السكان.

المرحلة الأولى: القتل العشوائي… تحطيم المجتمع من القلب
قبل أن يبدأ التجويع، بدأ القتل.
استهداف مباشر للأطفال، النساء، كبار السن، والنازحين في طوابير الخبز وصفوف الماء:
أطفال قُتلوا وهم يركضون خلف سيارة مساعدات.
عائلات قُصفت داخل المنازل فوق موائد العشاء.
نساء استشهدن وهنّ يبحثن عن ماء.
شيوخ قضوا تحت الركام في مخيمات أُعلن أنها "مناطق آمنة".
جثث صغار حُملت في أكياس بلاستيكية لأن المستشفيات لم تعد قادرة على حفظهم.
كان واضحًا أن الهدف ليس “إضعاف خصم”…
بل كسر العمود الإنساني للمجتمع: المرأة التي تطعم، الشيخ الذي يحكي، الطفل الذي يُفترض أن يعيش.
في اللحظة التي يصبح فيها القتل عشوائيًا،
يصبح كل شعور بالأمان — حتى داخل البيت — مجرد وهم.

أكثر من 80% من الضحايا مدنيون، بينهم أكثر من 20,000 طفل.

المرحلة التالية: التجويع… حين يتحوّل الخوف إلى جوع
في ظل هذا الموت العشوائي، جاءت أداة أخرى لا تقل فتكًا:
خنق إدخال المواد الغذائية.
منع الدقيق والوقود.
حصار الأحياء.
قصف الطرق التي تنقل المساعدات.
مشاهد الجوع في غزة صارت عنوانًا لـ"نهاية الكرامة البشرية":
عائلات تعيش على العدس فقط.
أطفال ينتظرون رغيفًا لا يصل.
أمهات يخلطن الماء المالح بالعدس ليبدو “وجبة”.
آباء يخبئون جوعهم لأجل أولادهم.
وحوار الناس اختصر حجم المأساة:
– “قدّيش العدس؟”
– “مئة شيكل.”
– “والبصل؟”
– “قشر البصل… بس القشر، الجرام بـ10 شيكل…؟”
– “والخبز؟”
– “ما في خبز… صرنا ناكل العدس مع الملح وبس.”

لم يكن الجوع نتيجة جانبية للحرب.
كان أداة منظمة لإجبار الناس على الانكسار، تُدار بأيدٍ تتظاهر بالخصومة لكنها تتفق على النتيجة.
انخفاض السعرات الحرارية اليومية إلى 9% من الحد الأدنى (أقل من 200 سعرة للفرد)، ومجاعة فعلية في شمال غزة ودير البلح.

المرحلة الثانية: هدم المربّعات… محو الجغرافيا لا المباني
لم تُهدم البيوت فرادى.
هُدمت مربّعات كاملة: شوارع، أحياء، كتل سكنية.
كأن الجميع — من يقصف ومن يُعلن الحرب ومن يُدير المقاومة — يتفق على إزالة الذاكرة والهوية والمكان.
الإنسان يمكنه أن يبني غرفة جديدة،
لكن لا يستطيع أن يعيد بيته كما كان: أصواته، ذكرياته، صوره، دفء أمه.

تدمير أكثر من 70% من المباني السكنية، و80% من المدارس والمستشفيات.

المرحلة الثالثة: الخيام… سقوط الكرامة
الخيمة ليست منزلًا.
هي إعلان بأنك أصبحت "مؤقتًا" في أرضك.
في الخيام بدأ فصل آخر من المأساة:
شحّ المياه
مياه قليلة، غير صالحة للشرب غالبًا، لا تكفي للغسل ولا لقضاء الحاجة.
طوابير طويلة، مئات ينتظرون خلف صهريج واحد.
انعدام الخصوصية للنساء والفتيات
النساء فقدن حقًا أساسيًا: أن يقضين حاجتهن بكرامة.
فتيات صغيرات يبحثن عن زاوية مظلمة بعد منتصف الليل.
نساء ينتظرن ساعات حتى يقلّ عدد الناس.
هذا ليس فقرًا…
هذا إسقاط متعمّد لكرامة الإنسان، يخدم أجندة مشتركة تتجاوز الشعارات.

أكثر من 80% من الأطفال يعانون اضطرابات نفسية شديدة (اكتئاب، قلق، كوابيس)، ومعدل وفيات الأطفال بسبب سوء التغذية والجفاف ارتفع 300%.

المرحلة الرابعة: دفع الناس نحو الخروج… حين يصبح الرحيل هو البقاء
بعد:
القتل،
الجوع،
الهدم،
الخيام،
العطش،
وغياب الخصوصية…
بدأ الناس يشعرون بأن غزة لم تعد صالحة للحياة، رغم الحب والانتماء.

ثم ظهرت رحلات غامضة: رامون → نيروبي → جوهانسبرج.
رحلات تُقدَّم كخلاص، لكنها محمّلة بأسئلة:
هل خرجوا بإرادتهم أم تحت ضغط الجوع والخوف؟
لماذا احتُجزوا في الطائرة لمدة 13 ساعة في جوهانسبرج؟
لماذا بلا أختام واضحة؟
من يدير هذه الرحلات؟ من يموّلها؟ ومن يُعلن الحرب ثم يفتح الباب؟

الاحتلال لا يدفع الناس إلى الشاحنات هذه المرة…
هو يدفعهم عبر الجوع والهدم وفقدان الكرامة، بمساعدة أطراف شريكة بالجريمة تُكمل الدورة.
يقول لهم:
“اختاروا.”
لكن هذا ليس خيارًا.
هذا تهجير قسري عبر صناعة واقع لا يُطاق، بتواطؤ يتجاوز الحدود والرايات.

أكثر من 1,500 فلسطيني غادروا عبر رامون منذ أكتوبر 2024، وكينيا وجنوب أفريقيا محطتان لـ"ترانزيت" غامض.

غزة تُدفَع نحو التهجير… لكنّها لا تستسلم
غزة اليوم ليست مدينة تنهار…
غزة مدينة تُقاتل لتبقى.
رغم القتل.
رغم الجوع.
رغم الخيام.
رغم الهدم.
رغم الأبواب التي تُفتح للخروج.

الاحتلال يريد غزة بلا أهل، وبعض من يدّعون الدفاع عنها يساعدون — عن قصد أو غير قصد — في تفريغها.
لكن أهل غزة يحاربون بالوجود ذاته.

وغدًا — حين تُفتح الملفات — سيظهر للعالم أن:
الرحيل لم يكن قرارًا،
بل نتيجة مقصودة لسياسة القتل والتجويع والهدم وسحق الحياة، بمشاركة أطراف اعتقدنا أنها تحمي، لكنها كانت جزءًا من اللعبة.
رغم كل شيء، استمرت غزة في كتابة الشعر والرسم على جدران الخيام – دليل على أن الروح لم تُهزم.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. السفير الأمريكي لدى إسرائيل يندد بـ-التصرفات المقيتة- لمستوط


.. الحصار الأمريكي والإغلاق الإيراني يربكان حركة مضيق هرمز




.. مستوطنون يواصلون حصار عائلة بقصرة جنوبي نابلس وقوات الاحتلال


.. القوات اليمنية تواصل استهداف الحوثيين.. وأميركا تتوعد إيران




.. بـ -جدار الفولاذ-.. واشنطن تؤكد جاهزيتها لحصار موانئ إيران ل