الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
النموذج الأميركي في العراق وسوريا: مشروع تحديث أم استراتيجية تفكيك للشرق الأوسط؟
هيثم أحمد محمد
2025 / 11 / 14الإستعمار وتجارب التحرّر الوطني
منذ مطلع الألفية الجديدة، برزت في الخطاب السياسي الأميركي عبارة "نموذج الشرق الأوسط الجديد" كعنوان عريض لتبرير التدخلات العسكرية وإعادة تشكيل الدول في المنطقة، وقد جاءت هذه العبارة مصحوبة بشعارات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والتنمية، بوصفها أهدافاً معلنة لأي تدخل، إلا أن الوقائع على الأرض — في العراق أولاً ثم في سوريا — تكشف صورة مغايرة تماماً، تطرح أسئلة جادة حول طبيعة هذا المشروع وحدوده وأهدافه الحقيقية.
العراق: من وعود الازدهار إلى واقع الفوضى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عندما أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن عام 2003 أن بلاده ستجعل العراق "أنموذجاً للديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط"، رسمت الخطابات الرسمية صورة وردية لمستقبل العراقيين بعد عقود من الدكتاتورية والحروب والعزلة، غير أن السنوات اللاحقة حملت واقعاً مختلفاً:
• تفجيرات ومفخخات ضربت المدن العراقية بلا توقف.
• انهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية بعد قرار حلّ الجيش.
• صعود الجماعات المتطرفة، بدءاً من القاعدة وصولاً إلى داعش.
• موجات واسعة من التهجير الطائفي، وحروب الهوية، وانقسامات عمودية داخل المجتمع.
• تفكك البنى الاقتصادية والخدمية، وتراجع دور الدولة المركزية.
بدلاً من النموذج الديمقراطي الموعود، وجد العراق نفسه أمام نموذج للفوضى السياسية، والانقسام المجتمعي، والارتهان للقوى الإقليمية والدولية، ما جعل كثيرين يعتقدون أن الفوضى لم تكن نتيجة جانبية، بل جزءاً من استراتيجية إعادة هندسة المنطقة.
سوريا: إعادة تدوير الوصفة ذاتها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد عقد من الحرب في سوريا، بدا أن الخطاب الأميركي يعيد إنتاج الفكرة نفسها: تحويل سوريا إلى "نموذج جديد" للاستقرار، لكن الوقائع جاءت كنسخة شبه مطابقة لما حدث في العراق:
• ظهور سلطات محلية متطرفة أو مدعومة خارجياً، مثل حكم الجولاني في إدلب وما رافقه من انتهاكات بحق الأقليات كالعلويين والدروز والأكراد.
• تقاسم النفوذ بين قوى دولية وإقليمية، واحتلال أجزاء واسعة من الأراضي السورية من قبل تركيا وإسرائيل وقوات أجنبية أخرى.
• تفكك الدولة المركزية، وظهور كانتونات عسكرية وإدارية متنافسة.
• استمرار الصراع الطائفي والعرقي، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع السوري.
مرة أخرى، تكررت النتيجة ذاتها: وعود بالإصلاح والديمقراطية، وواقع من التفكك والحروب والهجرة الجماعية.
الاستراتيجية: تفكيك الدول أم إعادة تشكيلها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا يمكن الجزم بأن هناك استراتيجية أميركية مكتوبة تنصّ على تدمير دول المنطقة، لكن نمط الأحداث في العراق وسوريا — من انهيار الدولة المركزية، إلى صعود الميليشيات، إلى ترسيخ الهويات الطائفية — يثير تساؤلات جدية:
1- هل كانت الأخطاء الأميركية المتكررة مجرد سوء تقدير؟
أم أن الفوضى التي أعقبت التدخلات كانت نتيجة متوقعة في ضوء السياسات المتخذة؟
2- هل يتم استخدام خطاب الديمقراطية كغطاء لإعادة رسم خرائط سياسية جديدة؟
فالتفتيت الطائفي والعرقي يخدم رؤية بعض القوى العالمية في منع قيام دول قوية مزدهرة.
3- لصالح من تعمل الصراعات الداخلية؟
في النهاية، يفتح انهيار الدول الباب أمام نفوذ خارجي غير محدود، واستغلال الموارد، وتوجيه مسارات السياسة والاقتصاد بما يخدم الأجندات الدولية.
الخلاصة: النموذج الأميركي بين التنظير والنتائج
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما جرى في العراق ثم في سوريا يدل على أن "النموذج الأميركي" لم يقدّم فعلياً مشروع دولة حديثة مستقرة، بقدر ما أنتج بيئة مفتوحة للفوضى وصراعات الهوية وتعدد مراكز القوى، وهذا يدفع إلى إعادة قراءة مفهوم "الشرق الأوسط الجديد" بوصفه مشروعاً لإعادة تشكيل المنطقة لا عبر التنمية والديمقراطية، بل عبر تفكيك البنى القائمة وإعادة تركيبها وفق معادلات جديدة تخدم مصالح القوى الكبرى.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن للمنطقة أن تخرج من هذه الدوامة بنفسها، وتبني نموذجها الخاص القائم على الاستقرار والسيادة الحقيقية؟
أم أن مسار التفكيك سيبقى مستمراً ما دامت خرائط المنطقة تُرسم من خارجها؟
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. وفاة رضيعين تثير القلق في فرنسا إثر الاشتباه بتسمّمهما بالحل
.. إيران تؤكد استعدادها للرد على أي هجوم محتمل من قبل الولايات
.. بين من يؤيد توجيه ضربة موجعة لإيران ومن يعتقد أن الوقت لم يح
.. تشكيل الحكومة تحت التهديد الأميركي.. إلى أين يتجه القرار الع
.. تحقيق| كيف يتلاعب الجيش الإسرائيلي بـ -الخط الأصفر- لتوسيع م